الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٢٢٣ - تبصرة في صحة اطلاق الرزق على الحرام
مباحا كان أو حراما. و خصّه بعضهم بما تربّى به الحيوان من الأغذية و الأشربة.
و عند المعتزلة هو كلّ ما صحّ انتفاع الحيوان به بالتغذّي أو غيره و ليس لأحد منعه منه. فليس الحرام رزقا عندهم.
و قال الأشاعرة في الردّ عليهم: لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذّي به طول عمره مرزوقا و ليس كذلك لقوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[١].
و فيه نظر، فإنّ الرزق عند المعتزلة أعمّ من الغذاء، و هم لم يشترطوا الانتفاع بالفعل. فالمتغذّي طول عمره بالحرام إنّما يردّ عليهم لو لم ينتفع مدّة عمره بشيء انتفاعا محلّلا و لا بشرب الماء و التنفّس في الهواء، بل و لا يمكن من الانتفاع بذلك أصلا. و ظاهر أنّ هذا ممّا لا يوجد، فلهم أن يقولوا لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا محلّلا و لا محرّما يلزم أن يكون غير مرزوق، فما هو جوابكم فهو جوابنا.
هذا و لا يخفى أنّ الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة، و المعتزلة تمسّكوا بهذا الحديث، و هو صريح في مدّعاهم غير قابل للتأويل.
و الأشاعرة تمسّكوا بما رووه عن صفوان بن اميّة قال: «كنّا عند رسول اللّه ٦ إذ جاء عمر بن قرّة فقال: يا رسول اللّه انّ اللّه كتب عليّ الشقوة فلا أراني ارزق الّا من دفّي بكفّي فاذن لي في الغناء من غير فاحشة. فقال ٦ و سلّم: لا آذن لك و لا كرامة و لا نعمة. أي عدوّ اللّه لقد رزقك اللّه طيّبا فاخترت ما حرّم اللّه عليك من رزقه مكان ما أحلّ اللّه لك من حلاله، أمّا أنّك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضربا و جميعا»[٢].
و المعتزلة يطعنون في سند الحديث تارة و يؤولونه على تقدير
[١] هود: ٦.
[٢] سنن ابن ماجه: ج ٢ ص ٨٧٢ كتاب الحدود، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.