الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٤٥٣ - بسط مقال لتوضيح حال التوجيهات المختلفة لحديث«نية المؤمن خير من عمله»
غرضا من حيث إنّه جمع بين الجبهة و الأرض، بل من حيث إنّه بحكم العادة يؤكّد صفة التواضع في القلب، فإنّ من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه و صوّرها بصورة التواضع تأكّد بذلك تواضعه، و أمّا من يسجد تغافلا عن التواضع و هو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر الى قلبه، بل سجوده كعدمه، نظرا إلى الغرض منه، فكانت النيّة روح العمل و ثمرته و المقصد الأصلي من التكليف به، فكانت أفضل. و هذا الوجه قريب من الوجه الخامس.
التاسع: أنّ النيّة ليست مجرّد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس: اصلّي أو أصوم أو ادرّس قربة الى اللّه ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك و متصوّرا لها بقلبك.
هيهات انّما هذا تحريك لسان و حديث نفس، و انّما النيّة المعتبرة إنبعاث النفس و ميلها و توجّهها الى ما فيه غرضها و مطلبها إمّا عاجلا و إمّا آجلا. و هذا الإنبعاث و الميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه و اكتسابه بمجرّد النطق بتلك الألفاظ و تصوّر تلك المعاني، و ما ذلك إلّا كقول الشبعان: اشتهي الطعام و أميل اليه قاصدا حصول الميل و الإشتهاء، و كقول الفارغ: اعشق فلانا و احبّه و أنقاد إليه و أطيعه، بل لا طريق الى اكتساب صرف القلب الى الشيء و ميله إليه و اقباله عليه إلّا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل و الإنبعاث و اجتناب الامور المنافية لذلك المضادّة له، فإنّ النفس إنّما تنبعث الى الفعل و تقصده و تميل اليه تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات.
فإذا غلب على قلب المدرّس مثلا حبّ الشهرة و إظهار الفضيلة و إقبال الطلبة عليه و انقيادهم إليه فلا يتمكّن من التدريس بنيّة التقرّب الى اللّه سبحانه بنشر العلم و إرشاد الجاهلين، بل لا يكون تدريسه إلّا لتحصيل تلك المقاصد الواهية و الأغراض الفاسدة و إن قال بلسانه: ادرّس قربة الى