الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٢٠٥ - تتمة في وقوع النفس الناطقة بين القوى المتضادة
هاتين القوّتين أشار سبحانه بقوله: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[١] و بقوله تعالى:
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً[٢] فإن جعلت الشهوة منقادة للعقل فقد فزت فوزا عظيما و اهتديت صراطا مستقيما، و إن سلّطت الشهوة على العقل و جعلته منقادا لها ساعيا في استنباط الحيل المؤدّية الى مراداتها هلكت يقينا و خسرت خسرانا مبينا.
و اعلم انّك نسخة مختصرة من العالم فيك بسائطه و مركباته و مادّياته و مجرّداته، بل أنت العالم الكبير، بل الأكبر كما قال أمير المؤمنين و سيّد الموحدين ٧:
|
دواؤك فيك و ما تبصر |
و داؤك منك و ما تشعر |
|
|
و تزعم أنّك جرم صغير |
و فيك انطوى العالم الأكبر[٣] |
|
و ما من شيء إلّا و أنت تشبهه من وجه لكنّ الغالب عليك أربعة أوصاف: الملكية و السبعية و البهيمية و الشيطانية، فمن حيث الملكية تتعاطى أفعال الملائكة من عبادة اللّه سبحانه و طاعته و التقرّب إليه، و من حيث الغضب تتعاطى أفعال السباع من العداوة و البغضاء و الهجوم على الناس بالضرب و الشتم، و من حيث الشهوة تتعاطى أفعال البهائم من الشره و الشبق و الحرص، و من حيث الشيطانية تتعاطى أفعال الشياطين فتستنبط وجوه الشرّ و تتوصّل الى الأغراض بالمكر و الحيل.
فكأنّ المجتمع في اهابك أيّها الإنسان ملك و كلب و خنزير و شيطان، فالكلب هو الغضب، و الخنزير هو الشهوة. فإن اشتغلت بجهاد هذه الثلاثة و دفع كيد الشيطان و مكره بالبصيرة الناقدة و بكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه، إذ بالغضب تنكسر سورة الشهوة، و أذللت
[١] البلد: ١٠.
[٢] الدهر: ٣.
[٣] الديوان المنسوب لأمير المؤمنين ٧: ص ٥٧.