الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٢٠٦ - تتمة في وقوع النفس الناطقة بين القوى المتضادة
الكلب بتسليط الخنزير، و جعلت الكلّ مقهورين تحت السياسة اعتدل الأمر و ظهر العدل في مملكة البدن و جرى الكلّ على الصراط المستقيم، و إن لم تجاهدهم قهروك و استخدموك، فلا تزال في استنباط الحيل و تدقيق الفكر في تحصيل مطلوبات الخنزير و مرادات الكلب، فيكون دائما في عبادة كلب و خنزير. و هذا حال أكثر الناس الذين همّتهم مصروفة الى البطن و الفرج و مناقشة الخلق و معاداتهم.
و العجب منك انّك تنكر على عبّاد الأصنام عبادتهم لها، و لو كشف الغطاء عنك و كوشفت بحقيقة حالك و مثّل لك ما يمثّل للمكاشفين إمّا في النوم أو اليقظة لرأيت نفسك قائما بين يدي خنزير مشمّرا ذيلك في خدمته، ساجدا له مرّة و راكعا اخرى، منتظرا لاشارته و أمره، فمهما طلب الخنزير شيئا من شهواته توجّهت على الفور الى تحصيل مطلوبه و احضار مشتهياته، و لأبصرت نفسك جاثيا بين يدي كلب عقور عابدا له، مطيعا لما يلتمسه، مدقّقا للفكر في الحيل الموصلة الى طاعته، و أنت بذلك ساع فيما يرضي الشيطان و يسرّه، فإنّه هو الذي يهيّج الخنزير و الكلب و يبعثهما على استخدامك، فأنت من هذا الوجه عابد للشيطان و جنوده، و مندرج في المخاطبين المعاتبين يوم القيامة بقوله تعالى: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[١].
فليراقب كلّ عبد حركاته و سكناته و سكوته و نطقه و قيامه و قعوده لئلّا يكون ساعيا طول عمره في عبادة هؤلاء، و هذا غاية الظلم، حيث صيّر المالك مملوكا و السيّد عبدا و الرئيس مرؤوسا، إذ العقل هو المستحقّ للسيادة و الرئاسة و الاستيلاء، و هو قد سخّره لخدمة هؤلاء، و سلّطهم عليه و حكّمهم فيه.
[١] يس: ٦٠.