البحر المورود فى المواثيق و العهود - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٥٣
الغاية ثم بعد ذلك يأذن له فى التصدر و كان يقول: كل فقير لا يتضلع فى علوم الشريعة لا يصلح للتصدر لأنه ربما يشطح بشىء يخالف الشريعة الظاهرة فتنفر عنه قلوب العلماء و إذا انفرت من فقير قلوب العلماء قل نفعه فى الوجود فافهم.
و قد كان الجنيد رضى اللّه عنه لا يجلس اليه فقيه و لا فقير و لا عامى و لا احد من الخلق إلا قام و هو راض عنه يقول شىء للّه المدد من كثرة سياسته لانه كان لا يكلم قط أحدا بما هو فوق رتبته ذلك الأحد إلا إن رآه قابلا للترقى و كان لا يكلم أحدا بما طريقه الكشف الا ان كان له به اتحاد و طول صحبة، و كان يقول: إياكم ان تبذروا أول مصاحبتكم بإنسان كلاما طريقه الكشف او يخالف ظاهر النقل فربما كان ممتحنا فيخرج ينشر صيتكم بسوء الاعتقاد بين من ليس من اهل الطريق فيتولد من ذلك مفاسد كثيرة، فعل انه لا يعجز فقير عن سياسة مجادل الا ان ذهبت بذلك المجادل يد الشقاء فحينئذ يطرده ذلك الفقير بالقلب عن صحبته فيصير من أبعد الناس عنه و ربما يمكت بقية عمره لا يجتمع به، فإياك أن تغلط و تطّلع، على أسرار السنة من لم يجد عنده داعية و لا علامة للترقى و لو كان من احب الناس إليك، قال تعالىإِنَّكَلاتَهْدِيمَنْأَحْبَبْتَوَلكِنَّاللَّهَيَهْدِيمَنْيَشاءُ خطابا لمحمد صلى اللّه عليه و سلم الذى هو أعرف الأنبياء و المرسلين بطرق السياسة كما يشهد لذلك عموم رسالته إلى جميع العالمين فلما لم يرجع صلى اللّه عليه و سلم و دام على طلب الهداية للخلق لما هو عليه من الرحمة و الشفقة أنزل اللّه تعالى عليهلَيْسَلَكَمِنَالْأَمْرِشَيْءٌأَوْيَتُوبَعَلَيْهِمْأَوْيُعَذِّبَهُمْفَإِنَّهُمْظالِمُونَ فسكت صلى اللّه عليه و سلم من ذلك