البحر المورود فى المواثيق و العهود - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٢٩
و كان الشيخ أبو الحسن الشاذلى رضى اللّه عنه يقول: من أراد ان لا يكون إبليس جليسه فليترك الدنيا، فقال له شخص: يا سيدى فلان العابد زاهد فى الدنيا و هو يشكى من إبليس كثيرا، فقال: دعواه الزهد زور ثم أرسل الشيخ الى ذلك العابد و حادثه طويلا فاعترف بمحبته للدنيا، و قال للشيخ: صدقت يا سيدى، فقال له الشيخ: الدنيا بنت ابليس فمن تزوج ابنته صار صهرا له و الصهر لا بد له من التردد إلى صهره من حين يخطب ابنته فمن لم يمل الى الدنيا لا حاجة لابليس عنده.
فافهم، و كان الفضيل بن عياض رضى اللّه عنه يقول: لو عرضت علىّ الدنيا بحذافيرها و لا احاسب عليها فى الآخرة لكنت أتركها و أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها مخافة ان تصيب ثوبه.
و ممن تحقق بهذا العهد يقينا الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعى رضى اللّه عنه و أبو زيد الهلالى و معن ابن زائدة و أضرابهم من الكرام و لو لا ذلك ما فرق الامام الشافعى فى مجلس واحد عشرة آلاف دينار ثم اقترض عشاءه آخر ذلك النهار و لو لا تحقق ابو زيد بذلك ما كان يقدر على ما نقل عنه من الكرم، فرضى اللّه عن الكرام الذين هانت عليهم الدنيا هذا الهوان ثم لا يخفى أن التحقق بهذا العهد من أدنى أخلاق الفقراء، فإياك ان تنكر على فقير دعواه الوفاء به لكونك انت لا تقدر على المشى عليه فان ذلك من اسهل شىء يترك عند الفقراء و بتقدير ان يكون ذلك من اكمل اخلاق الفقراء فلا بأس بذكره للإخوان ليتشوقوا إلى الترقى اليه و لو ان الفقراء لم يذكروا لإخوانهم شيئا فوق احوالهم لم يقع لم ترق و لا كان للنصح فائدة.