البحر المورود فى المواثيق و العهود - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٥٥
اخذ علينا العهود
ان نشهد مقامنا الحقيقى دائما هو التراب الذى تطأه الاقدام و تبول عليه الكلاب و لا نرفع نفسنا عنه فى ساعة من ليل أو نهار و ذلك لأن الأرض هى أمنا التى منها خلقنا و كأن من طلب مقاما يرفعه عن أمه فقد عقها من حيث أنها لا ترضى بذلك، و فى الحديث أن العاق لا يرفع له الى السماء عمل فافهم، و من تحقق بهذا المقام لا يفارقه رضى اللّه عنه و لا رضى الخلق و اذا قدر انه وقع لا يتكسر أبدا فإننا ما رأينا قط شخصا جلس على الأرض فوقع و تكسر أبدا انما يتكسر من فارق الأرض و على عليها حسّا أو معنا ثم لا بد بأن يرجع الى ما رفع نفسه عنه حالة أحقر و أدبر مما كان قبل ان يرفع نفسه اما بترادف البلاء عليه و تحويل النعم و إما بالموت الذى لا ينجو منه أحد.
و تأمل الحجر اذا رميته الى فوق كيف يرجع الى رتبته الأرضية قهرا لا يمكنه رد نفسه عن النزول فافهم، و يقول الناس فى حق من يترأس عليهم بغير حق فلان كبير عند نفسه يعنى دون الناس و قد جرب انه ما رفع عالم او فقير قط نفسه على الإخوان إلا و أذهب اللّه تعالى بركة عمله و تسبيكه لا سيما ان تصوف بالدعوى من غير استناد و صار يدعى مراتب الرجال فإنه يهلك فى الدارين ثم لا يستحق أن أحدا يأخذ بيده اذا عثر فى الدنيا و الآخرة أبدا.
و تأمل يا أخى النخلة لما قامت بصدرها و تعالت على غيرها كيف جعل اللّه تعالى ثقل حملها على نفسها لا يساعدها فيه أحد، و انظر الى شجرة اليقطين و البطيخ لما مدت خدها على الأرض كيف جعل اللّه ثقل حملها على غيرها و لو حملت مهما حملت لا تحث بثقله.