البحر المورود فى المواثيق و العهود - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٣٣
و الآخرة، و فى الحديث: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة فى صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة فيؤمر بها الى النار فتقف و تقول يا رب و من كان يحسن فى دار الدنيا و يميل بقلبه إلىّ فيقول اللّه تعالى و من يحبك فيقحم معها فى النار كل محب» نسأل اللّه العافية فتأمل يا أخى نفسك و أنت أعلم بحالك.
ثم اعلم يا اخى ان من تحقق بهذا العهد لم يستكثر شيئا من الدنيا ان يعطيه لاحد من الإخوان او غيرهم فان اقل من جناح البعوضة اذا فرق على جميع اهل الارض من ملوكها الى تجارها الى سوقتها فما قدر ما يخص كل انسان من ذلك الاقل من الجناح حتى يستعظمه فى عينه او يبخل به او يغلق عليه بابا فتأمله فلو قدر ان الدنيا بحذافيرها اعطيت لعبد ثم اعطاها لآخر لم يكن ذلك بكبير و كذلك من رأى الدنيا بهذه الحقارة لا يرى له مقاما بل زهد فيها جميعا لأن ذلك الجزء الذى خصّه من الجناح لا يدرك بالبصر و لا بجسّ حتى يصح له قبضه ثم تركه و كأن الزاهد زهد فى لا شىء.
تعجب يا اخى فى القدرة الإلهية و لا عجب فيها كيف حجبت من لا يحصى من الخلائق عن الدخول الى حضرة ربهم و لو فى صلاتهم بأقل من جناح بعوضة و كأن خدام الحضرة الإلهية يقولون لا تمكن احدا يحب الدنيا و يرجح الذهب على الزبل ان يدخل الى حضرة الحق تعالى الا ان رمى ما حصّه من اقل من جناح تلك البعوضة و تركه للناس فما تجرأ احد منهم أن يفعل ذلك و رضوا بحجابهم عن حضرة ربهم حتى ماتوا و ذلك يؤدى الى الكفر لأن من رجح شيئا على حضرة ربه فقد استهان بها و ذلك كفر نسأل