التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - ١ - الرؤيا الصادقة
تلك الحالة، و لم يكن الإغفاء اغفاء نوم بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي[١] و آنف بمعنى: قبيل هذا الوقت.
أقول لا شكّ أنّ سورة الكوثر مكيّة، و هذا هو المشهور بين المفسّرين شهرة تكاد تبلغ التواتر. قالوا: نزلت بمكة عند ما عابه المشركون بأنّه أبتر لا عقب له، أو أنّه مبتور من قومه منبوذ.
و هكذا لمّا مات ابنه عبد اللّه مشت قريش بعضهم الى بعض متباشرين، فقالوا: إنّ هذا الصابي قد بتر الليلة.
قال ابن عباس: دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من باب الصفا و خرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن وائل السهمي، فرجع العاص الى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفا؟ قال ذلك الأبتر- يريد به النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- فأنزل اللّه- جلّ جلاله- سورة الكوثر، تسلية لنفس نبيّه الزكيّة[٢].
هذا و أنس عند وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لم يبلغ العشرين، إذ كان عند مقدمه (صلى اللّه عليه و آله) المدينة طفلا لم يتجاوز التسع و قيل: ثماني سنوات[٣]، فكيف نثق بحديث منه يخالف إطباق الأمّة على خلافه، و أنّها نزلت بمكة في قصة جازت حدّ التواتر؟! الأمر الذي يرجّح الوجه الأوّل من اختيار الإمام الرافعي، أو نجعل من رواية أنس حبلها على غاربها! نعم أخرج مسلم و البيهقي هذه الرواية من وجه آخر، ليس فيه «انزلت عليّ». قال أغفى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إغفاءة ثم رفع رأسه فقرأ:
[١] الإتقان: ج ١ ص ٢٣.
[٢] راجع أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين: ج ٢ ص ١٤٢. و الدر المنثور: ج ٦ ص ٤٠١.
[٣] أسد الغابة: ج ١ ص ١٢٧.