التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٧ - ٣٣ - سورة النجم مكية
و ربّما كانوا يأخذون منهم تعاليم أو معارف ممّا يخصّ خلق السماوات و الأرض، فكانت مشهورة بين العرب المشركين، فهذا الردّ- لو صحّ أنّه ردّ- لا يدلّ على أنّه نزل بالمدينة! فلعلّ الرواية القائلة بأنّها نزلت في اليهود، إنّما تعني ما ذكرنا، أي نزلت في تعاليم كانوا بثّوها بين العرب.
و الشاهد على أنّ الآية مكيّة: ما جاء تفريعا عليها: «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ...» التي هي من آيات الصفح المكيّة، و التي نسخت فيما بعد.
٣٣- سورة النجم: مكيّة
استثني منها قوله: «... هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى»[١].
أخرج الواحدي عن ثابت بن الحرث الأنصاري، قال: كانت اليهود تقول- اذا هلك لهم صبيّ صغير-: صدّيق. فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: كذبوا، ما من نسمة يخلقها اللّه في بطن امّه إلا انّه شقيّ أو سعيد، فأنزل اللّه عند ذلك: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ...»[٢].
قلت لو صحّت الرواية فلا دلالة فيها على نزول الآية بالمدينة، فلعلّ قولة اليهود- و هم يبثّون تعاليمهم الفاسدة بين العرب- بلغت الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و هو بمكة، فنزلت الآية بها! لكن الرواية المذكورة لا مساس لها بفحوى الآية رأسا، لأنّ قوله: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ...» تعليل لقوله: «واسع المغفرة».
يعني: إنّ هذا الإنسان مفطور على اقتراف مطاليب أرضيّة سافلة وفقا لفطرته البشريّة المتركّبة من نزعات و رغبات، و اللّه أعلم بذلك، و من ثم عهد
[١] النجم: ٣٢.
[٢] لباب النقول بهامش الجلالين: ج ٢ ص ٨٩. و الدر المنثور: ج ٦ ص ١٢٨.