التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٧ - ٣ - الوحي المباشر
و أخيرا فقد وصف هو (صلى اللّه عليه و آله) نزول الوحي عليه بما يدهش:
سأله عبد اللّه بن عمر: هل تحسّ بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرّة يوحى إليّ إلّا ظننت أنّ نفسي تقبض![١].
و سأله الحارث بن هشام، قال: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كيف يأتيك الوحي؟ فقال (صلى اللّه عليه و آله): «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، و هو أشدّه عليّ، فيفصم عنّي و قد وعيت عنه ما قال[٢]. و أحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني، فأعي ما يقول[٣] و هو أهونه عليّ»[٤].
و تذييلا على هذه الرواية- و هي متواترة الى حد ما- يجب أن ننبّه القارئ على نقاط هامة:
أوّلا: صلصلة الجرس في هذه الرواية، كناية عن صوت متعاقب كصوت الناقوس المصلصل المجلجل، كان (صلى اللّه عليه و آله) يسمع صوتا متداركا كجلجلة الناقوس، هو صوت الوحي المباشر، فكان (صلى اللّه عليه و آله) ينصت له بكلّ وجوده حتى يتلقاه كملا. و كان ذا وقع شديد على نفسه الكريمة. و هذا التعبير «صلصلة الجرس» يشي بشدّة الوقع، حيث تتابع الصوت المتدارك يؤثّر على حاسة السمع تأثيرا نافذا في الأعماق، فكأنّما يأخذ بلبّ القلب، أخذا متواصلا قويّا و من ثم قال (صلى اللّه عليه و آله): ظننت أنّ نفسي تقبض.
و الظاهر أنّ هذه الصلصلة كانت تمهيدا لنزول الوحي عليه (صلى اللّه عليه
[١] الإتقان: ج ١ ص ٤٤. عن مسند أحمد بن حنبل.
[٢] سنشرح هذا الكلام فيما ننبّه عليه تاليا.
[٣] صحيح البخاري: ج ١ ص ٣. و الطبقات: ج ١ ص ١٣٢. و بحار الأنوار: ج ١٨ ص ٢٦٠.
و الصلصلة: صوت تداكّ الحديد بعضه مع بعض.
[٤] هذه الزيادة جاءت في راوية أبي عوانة في صحيحه. راجع فتح الباري ج ١ ص ٣٠. و الإتقان: ج ١ ص ٤٤.