التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - نظم كلماته
ثانيا: كان القسط الأوفر من إعجاز القرآن كامنا وراء هذا النظم البديع و في اسلوبه هذا التعبيري الرائع، من تناسب نغمي مرنّ، و تناسق شعريّ عجيب، و قد تحدّى القرآن فصحاء العرب و ارباب البيان- بصورة عامّة- لو يأتون بمثل هذا القرآن، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[١] فلو جوّزنا- محالا- إمكان تدخّل يد بشريّة في نظم القرآن، كان بمعنى إبطال ذاك التحدّي الصارخ. و من ثم كان ما ينسب الى ابن مسعود: جواز تبديل العهن بالصوف في الآية الكريمة[٢] أو قراءة أبي بكر: «و جاءت سكرة الحق بالموت»[٣] مكذوبا أو هو اعتبار شخصيّ لا يتّسم بالقرآنية في شيء.
ثالثا: اتفاق كلمة الامّة في جميع أدوار التاريخ على أنّ النظم الموجود و الأسلوب القائم في جمل و تراكيب الآيات الكريمة هو من صنع الوحي السماوي لا غيره. الأمر الذي التزم به جميع الطوائف الإسلامية، على مختلف نزعاتهم و آرائهم في سائر المواضيع. و من ثم لم يتردّد أحد من علماء الأدب و البيان في آية قرآنيّة جاءت مخالفة لقواعد رسموها، في أخذ الآية حجّة قاطعة على تلك القاعدة و تأويلها الى ما يلتئم و تركيب الآية. و ذلك علما منهم بأن النظم الموجود في الآية وحي لا يتسرّب إليه خطأ البتة، و إنّما الخطأ في فهمهم هم و فيما استنبطوه من قواعد مرسومة.
مثال ذلك قوله تعالى: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ»[٤] فزعموا أنّ الحال لا تتقدّم على صاحبها المجرور بحرف، و الآية جاءت مخالفة لهذه القاعدة.
و من ثم وقع بينهم جدال عريض و دار بينهم كلام في صحّة تلك القاعدة و سقمها[٥] و لجأ ابن مالك أخيرا الى نبذ القاعدة بحجّة أنّها مخالفة للآية، قال:
[١] الاسراء: من الآية ٨٨.
[٢] القارعة: ٥. راجع ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن: ص ١٩.
[٣] ق: ١٩. راجع تفسير الطبري: ج ٢٦ ص ١٠٠.
[٤] سبأ: ٢٨.
[٥] راجع خالد الازهري في شرح التوضيح. و الكشاف للزمخشري.