التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٢ - ٣٩ - سورة المرسلات مكية
قلت تمسّك القائل بمدنيّة الآية، بأنّ الصلاة و الزكاة لم تفرضا بمكة[١] و هو استدلال غريب، لأنّ الصلاة هي اولى فريضة فرضت بمكة[٢] أمّا الزكاة فليست هي الزكاة المفروضة بحدود و أنصبة مقررة، و إنّما هي مطلق التصدّق الذي كان واجبا حينذاك، كما في قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ»[٣] و قوله: «الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ»[٤].
نعم جاءت تفاصيل حدودها و أحكامها بالمدينة، أمّا أصلها فكانت واجبة بمكة بلا شك.
وليته تمسّك بقوله: «وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» و القتال لم يشرّع أصلا إلّا بالمدينة. لكنّه على تقدير أن يراد بالقتال: هو ما يقع فعليّا، لا ما سيفرض و سيقع بعد ذلك! و الاحتمال الثاني أوجه، نظرا الى أنّه تعالى- في هذه الآية- يذكر أسباب رفع ذلك التكليف الأوّل الشديد و تبديله الى تكليف آخر خفيف. و من تلك الأسباب تشريع القتال بعدئذ، من غير أن يكون هنا دليل صريح على إرادة فعليّته حينذاك.
٣٩- سورة المرسلات: مكيّة
قالوا باستثناء: قوله: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ»[٥].
قال مقاتل: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، فإنّ ذلك سبّة علينا[٦] و ثقيف أسلمت بالمدينة.
لكن وجه الآية و سياقها مع المكذّبين، و هم مشركو العرب، و لا معنى لأن يكون هذا الموضع من السورة خلوا من هذه الآية الى أواخر سني الهجرة ثم تكتمل. إذ ذلك يخلّ بفصاحة السورة و يخلخل من نظمها المنسجم.
[١] مجمع البيان: ج ١٠ ص ٣٨٢.
[٢] راجع سيرة ابن هشام: ج ١ ص ٢٥٩.
[٣] المؤمنون: ٤.
[٤] فصلت: ٧.
[٥] المرسلات: ٤٨.
[٦] مجمع البيان: ج ١٠ ص ٤١٩.