التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦١ - أول من شكل المصحف
ليست لغتهم، فكان لا بدّ أن يقع في تلفّظهم لحن، و من ثم كثر التصحيف في القراءات، و هال المسلمين ذلك.
حكى أبو أحمد العسكري[١] أن الناس غبروا يقرءون في مصحف عثمان نيفا و أربعين سنة الى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف و انتشر بالعراق، ففزع الحجاج بن يوسف الى كتّابه و سألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات. فيقال: إنّ نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا و أزواجا و خالف بين أماكنها ...[٢].
و قال الأستاذ الزرقاني: أوّل من نقّط المصحف هو يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم تلميذا أبي الأسود الدؤلي[٣].
أوّل من شكّل المصحف:
و هكذا كان الخطّ العربيّ آنذاك مجرّدا عن التشكيل (علائم حركة الكلمة و إعرابها) و بطبيعة الحال كان المصحف الشريف خلوا عن كلّ علامة تشير الى حركة الكلمة أو إعرابها.
بيد أنّ القرآن في الصدر الأوّل كان محفوظا في صدور الرجال و مأمونا عليه من الخطأ و اللحن، بسبب أنّ العرب كانت تقرؤه صحيحا حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت. أضف الى ذلك شدّة عنايتهم بالأخذ و التلقي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوّة. فقد توفّرت الدواعي على حفظه و ضبطه صحيحا حينذاك.
أمّا و بعد منتصف القرن الأوّل حيث كثر الدخلاء و هم أجانب عن اللغة فإنّ السليقة كانت تعوزهم، فكانوا بأمسّ حاجة الى وضع علائم و دلالات
[١] في كتاب التصحيف: ص ١٣.
[٢] ابن خلكان: ج ٢ ص ٣٢ في ترجمة الحجاج.
[٣] مناهل العرفان: ج ١ ص ٣٩٩.