التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥ - ١ - الإنسان في كينونة ذاته
غير أنّنا نجد أنفسنا في ضرورة النظر الى أدلّة أقامها فلاسفة قدماء و محدّثون، بشأن إثبات النفس، أي وجود الإنسان الباطن، ليكون هذا الإنسان مزدوج الشخصيّة: روحا و جسدا، و ليكون هذا الأخير آلة لا اراديّة، يسيّرها وجود الإنسان الباطني، الذي هو وجود الإنسان الحقيقي الأصيل. و هذه النظرة المزدوجة الى الإنسان كانت و لا تزال هي الفكرة السائدة عن الحياة، في الأوساط المتديّنة في العالم القديم، و تواصلت في سيرها حتى حييت معالمها من جديد، و كانت الأديان السماويّة كلّها تؤيّدها أيضا و تجعلها الأساس لجميع تعاليمها و برامجها في التشريع و العبادات.
و إليك بعض البراهين الفلسفيّة اوّلا ممّا أقامها فلاسفة إسلاميّون. و هي كثيرة و متنوّعة، اخترنا لك ما يلي، ثم نعقّبها بأدلّة حديثة جاء بها العلم التجريبي الحديث.
براهين فلسفية لاثبات النفس:
جاءت الفلسفة العقليّة بأدلّة ضافية، تثبت وجود النفس بصورة واضحة، تكلّم عنها الشيخ أبو علي ابن سينا في كتابيه «الشفاء» و «الإشارات». ثم تكلّم عنها غيره من فلاسفة إسلاميّين، كابن رشد، و نصير الدين، و الرازي، و النيسابوري، و ابن حزم، و صدر المتألّهين، و الحكيم السبزواري، و أخيرا سيّدنا الطباطبائي. و غيرهم كثيرون. و إليك منها:
١- الإنسان في كينونة ذاته:
لهذا الإنسان وجود باطن، يدعى بالنفس، هو الذي يشكّل كينونته الذاتيّة الثابتة، و يكون وجوده الأصيل الحقيقي، و الذي لا يتغيّر مهما تغيّر هذا الجسد الظاهر. و هذا ما يجده كلّ إنسان من ذاته أنّه شيء وراء هذا الجسد. و توضيحا لهذا الجانب من وجود الإنسان الحقيقيّ نستوضح ما يلي: