التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٩ - نشأة الخط العربي
فكانوا في ترحال و ارتحال أو حروب و غارات، و كانت تصرفهم عن التفكّر في شئون الصناعات، و الكتابة من الصناعات الحضريّة.
لكن بعض العرب ممّن رحلوا الى الشام و العراق في تجارة أو سفارة، جعلوا يتخلّقون بأخلاق تلكم الأمم المتحضّرة. فاقتبسوا منهم الكتابة و الخطّ على سبيل الاستعارة، فعادوا و بعضهم يكتب بالخطّ النبطي أو الخطّ السرياني.
و ظلّ الخطّان معروفين عند العرب الى ما بعد الفتح الإسلامي.
و قد تخلّف عن الخطّ النبطيّ الخطّ النسخيّ- و هو المعروف اليوم- و تخلّف عن الخطّ السريانيّ الخطّ الكوفي. و كان يسمّى الخط الحيري، نسبة الى الحيرة- مدينة عربية قديمة بجوار الكوفة اليوم- لأنّ هذا التحوّل حصل فيها. ثم بعد بناء الكوفة و انتقال الحضارة العربيّة إليها، تحوّل اسم هذا الخطّ الى الخطّ الكوفيّ.
و ظلّ هذا الخطّ هو المعروف و المتداول بين العرب في فترة طويلة.
و الخطّ النبطيّ- المتحوّل الى الخطّ النسخيّ- تعلّمته العرب من حوران، أثناء تجارتهم الى الشام. أمّا الخطّ الحيريّ أو الكوفيّ فقد تعلّموه من العراق.
فكانوا يستخدمون القلمين جميعا: الأوّل في المراسلات و الكتابات الاعتيادية و الثاني للكتابات ذوات الشأن كالقرآن و الحديث.
و دليلا على تخلّف الخطّ الكوفيّ عن السريانيّة: أنّهم كتبوا في القرآن «الكتب» بدل «الكتاب». و «الرحمن» بدل «الرحمن». و تلك قاعدة مطّردة في الخطّ السريانيّ، يحذفون الألفات الممدودة في أثناء الكلمة.
جاء الإسلام و الخطّ غير معروف عند العرب الحجازيين، فلم يكن يعرف الكتابة إلّا بضعة عشر رجلا، و استخدمهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لكتابة الوحي. لكنّه جعل يحرّض المسلمين على تعلّم الخطّ حتى نموا و كثروا.
و قد بقي الخطّان: النسخ و الكوفيّ، هما المعروفين بين المسلمين، يعملون في تطويرهما و تحسينهما، حتى نبغ ابن مقلة في مفتتح القرن الرابع الهجري، و أدخل في خطّ النسخ تحسينات فائقة. و هكذا بلغ الخط النسخيّ العربيّ ذروته في