التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٤ - آراء و تأويلات
و الصحيح أنّ «القرآن» في هذا الموضع لا يفيد العموم، و إنّما يفيد الجنس: فأيّ شيء، نزل فيه فقد طابق الظاهر[١].
و يبدو من الشيخ المفيد- قدّس سرّه- من آخر كلامه ردّا على أبي جعفر الصدوق- عليه الرحمة- فيما يأتي: اختيار هذا القول أيضا، قال: و قد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر، أنّه نزلت جملة منه ليلة القدر، ثم تلاه ما نزل منه الى وفاة النبي (صلى اللّه عليه و آله). فأمّا أن يكون نزل بأسره و جميعه في ليلة القدر، فهو بعيد عمّا يقتضيه ظاهر القرآن، و المتواتر من الأخبار، و إجماع العلماء على اختلافهم في الآراء[٢]*** ٢- كان ينزل على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في كلّ ليلة قدر من كلّ عام، ما كان يحتاج إليه الناس في تلك السنة من القرآن، ثم ينزله جبرائيل حسب مواقع الحاجة شيئا فشيئا بما يأمره اللّه تعالى. فيكون المقصود من شهر رمضان: هو النوع. لا رمضان خاصّ- و هو احتمال الإمام الرازي أيضا[٣]-.
و هذا اختيار ابن جريح[٤] و السدّي، و أسنده الأخير الى ابن عباس أيضا[٥]. و نقله القرطبي عن مقاتل بن حيّان. و وافقه الحليمي و الماوردي و غيرهما[٦].
غير أنّ هذا الاختيار، يخالفه ظاهر قوله تعالى: «أُنْزِلَ فِيهِ» أو «أَنْزَلْناهُ» حكاية عن حدث سابق، فلو صحّ هذا القول لكان المناسب أن يقول: ننزله، صفة للحال! و أيضا يردّه ما استبعدناه على الرأي الخامس الآتي: ما هي الفائدة المتوخّاة من نزول قرآن قبل الحاجة إليه، و لا سيّما في صيغة جملة الماضى أو الحال، المستدعية
[١] المناقب: ج ١ ص ١٥٠. و متشابهات القرآن: ج ١ ص ٦٣.
[٢] شرح عقائد الصدوق: ص ٥٨.
[٣] التفسير الكبير: ج ٥ ص ٨٥.
[٤] الدر المنثور: ج ١ ص ١٨٩.
[٥] مجمع البيان: ج ٢ ص ٢٧٦.
[٦] الإتقان: ج ١ ص ٤٠.