التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - تمحيص الرأي المعارض
على أنّ التحدّي وقع في سور مكيّة أيضا[١]، و لم يجمع القرآن قبل الهجرة قطعيّا.
و اهتمام النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بشأن القرآن، شيء لا ينكر، و من ثم كان حريصا على ثبت الآيات ضمن سورها فور نزولها، و قد حصل النظم بين آيات كلّ سورة في حياته (صلى اللّه عليه و آله) أمّا الجمع بين السور و ترتيبها كمصحف موحّد، فلم يحصل حينذاك، نظرا لترقّب نزول قرآن عليه، فما لم ينقطع الوحي لا يصحّ جمع القرآن بين دفّتين ككتاب. و من ثمّ لمّا أيقن بانقطاع الوحي بوفاته (صلى اللّه عليه و آله)، أوصى الى علي (عليه السلام) بجمعه.
و معنى تواتر النّص القرآنيّ: هو القطع بكونه قرآنا، الأمر الذي كان يحصل بأخبار جماعة و شهادة آخرين بأنّه قرآن و لا سيّما من الصحابة الأوّلين، الأمر الذي كان قد التزمه زيد في الجمع الأوّل كما يأتي. و ليس التواتر- هنا- بمعناه المصطلح عند المتأخرين.
و أمّا استلزام تأخّر الجمع تحريفا في كتاب اللّه، فهو احتمال مجرّد لا سند له بعد معرفتنا بضبط الجامعين و قرب عهدهم بنزول الآيات و شدّة احتياطهم على الوحي بما لا يدع مجالا لتسرّب احتمال زيادة او نقصان.
و أخيرا فإنّ قولة البعض الأخيرة، فهي لا تعدو خيالا فارغا إذ لا مناسبة ذاتيّة بين كلّ سورة و سابقتها أو تاليتها، سوى ما زعمه بعض المفسّرين المتكلّفين، و هو تمحّل باطل بعد إجماع الامة على أنّ ترتيب السور كان على خلاف ترتيب النزول بلا شكّ. و قد تقدّم حديث الفساطيط المضروبة لتعليم القرآن على خلاف الترتيب المألوف[٢].
[١] يونس: ٣٨. و هود: ١٣. و الاسراء: ٨٨. و هنّ مكيّات.
[٢] ارشاد المفيد: ص ٣٦٥ ط. نجف. و بحار الأنوار: ج ٥٢ ص ٣٣٩ ح ٨٥.