التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٩ - وصف مصحف ابن مسعود
لكنّها محاولة فاشلة بعد أن علمنا أنّ الاختلاف كان في مجرّد القراءة خارج النّص الثابت في المصحف. فالنّص القرآني شيء لم يختلف فيه اثنان، و هو المثبت في المصحف الشريف منذ العهد الأوّل الإسلامي حتى العصر الحاضر، و من ثم لم يمسّوه حتى لإصلاح اخطائه الإملائيّة. تحفّظا على نصّ الوحي يبقي بلا تحوير.
نعم جاءت قضيّة مراعاة جانب التسهيل على الأمة، من بعض السلف، لتجوّز القراءة بأي نحو كانت، ما دامت تؤدّي نفس المعنى الأصلي من غير تحريف فيه. الأمر الذي يكون خارج النّص المثبت قطعيّا.
و من ثم أجاز ابن مسعود: أن ينطق ذلك الاعجمي بدل طعام الأثيم بطعام الفاجر[١]. فاستبدل من النّص الصعب التلفّظ بالنسبة إليه، لفظا أسهل ...
لكنّه لم يثبته في المصحف كنصّ قرآني. و لم يكن ذلك منه تجويز التبديل في نصّ الوحي .. حاشاه! و هكذا كان تجويز عائشة لذلك العراقي: و ما يضرّك أيّه قرأت[٢]. توسعة في مقام القراءة فقط، لا توسعة في ثبت النصّ القرآني الذي هو وحي السماء، في المصحف، و لا شكّ أنّ مصحفها كان ذا ثبت واحد قطعا.
*** جهة سادسة: ربّما كان ابن مسعود يزيد في لفظ النّص زيادات تفسيريّة كانت أشبه بتعليقات إيضاحيّة ادرجت ضمن النّص الأصليّ.
و هذا أيضا كان مبنيّا على مذهبه: التوسعة في اللفظ، لغرض الإيضاح، مع التحفّظ على نفس المعنى الأصيل.
و هكذا اعتبر ائمّة الفنّ هذه الزيادات في قراءة ابن مسعود تفسيرات، و لم يعتبروها نصا قرآنيا منسوبا الى ابن مسعود، ليكون اختلاف بين السلف في
[١] تقدم ذلك في صفحة: ٣١٥.
[٢] راجع صحيح البخاري: ج ٦ ص ٢٢٨