التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - ١ - الإنسان في كينونة ذاته
التي مشت أو ذهبت ... و إنّما يريد أنه بذاته فعل هذه الامور، و كانت جوارحه آلات توصّل بها الى مآربه و حاجاته.
فكلّ أحد يجد من نفسه وجودا- وراء هذه الأعضاء الجسديّة- هو الذي يفعل و يتصرّف و ينسب إليه جميع حالاته و تقلّباته.
* إنّا نوجّه الخطاب أو التكليف، و كلّ ما يستتبعه من مدح أو ذمّ أو تحسين أو تقبيح، و كذا كلّ أمر أو نهي أو بعث أو زجر، الى الإنسان، لا نريد به جسده و لا شيئا من أعضائه و جوارحه. و إنّما نريد بذلك ذاته و نفسه، و هو المقصود بقولنا:
«أنت» لا شيء آخر.
و نتساءل: من المخاطب بقولنا: أنت؟. و من المأمور أو المنهي عند ما نأمر أو نزجر؟، و من الموجّه إليه المدح أو القدح؟
لا شك أنّه وجود الإنسان الحقيقيّ الثابت و هو ذاته و نفسه، ليس إلّا.
* إنّ في وجود هذا الإنسان شيئا لا يغفل عنه أبدا. و ما عداه فإنّه قد يغفل عنه أحيانا. الإنسان قد يغفل عن جسده و عن كلّ ما يتعلّق بجسده من أعضاء و جوارح داخليّة و خارجيّة، لكنّه لا يستطيع الغفلة عن ذاته هو. فذاته متمثّلة لديه في جميع حالاته و تقلّباته. فوجود الإنسان الحقيقيّ هو ذاته- الذي لا يغفل عنه أبدا- لا جسده و لا أعضاؤه- ممّا يغفل عنه أحيانا- لأنّ الذات- و هو حقيقة الشيء- هو الذي لا يغفل عنه و أمّا الذي يغفل عنه فيبدو أنّه ليس من الذات الأصيل[١].
الأمر الذي يدلّ على أن وجود الإنسان الحقيقيّ شيء وراء الجسد، و هو ذاته و نفسه، لا شيء في وجود الإنسان يمكن التعبير عنه بالذات أو النفس سوى الروح، فهو وجود الإنسان الحقيقي الأصيل.
[١] و من هنا كان قولهم المعروف:« غير المغفول عنه غير المغفول عنه». لتكون الغير الأولى أداة معدولة، لأنّها صارت جزء الموضوع. و الغير الثانية أداة سلب محصّلة، لأنّها لسلب النسبة حينئذ. أي الذي لا يغفل عنه أبدا يختلف عن الذي يغفل عنه أحيانا.