التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٩ - آيات مستثنيات
فكان يحسّ بوجع شديد، و هذا معنى «كشف اللّه عن نبيّه و عافاه» في رواية طبّ الائمّة. أي عافاه من الوجع الذي كان يحسّ به. و هذا أمر ممكن، غير أنّ الأصحّ عندنا هو ما ذكره القطب الراوندي: أنّ السحر لم ينفذ فيه (صلى اللّه عليه و آله) فقد أرادوا به كيدا لكنّهم أصبحوا هم الخاسرين.
آيات مستثنيات:
تعرّض الأوائل لاستثناء آيات من سور تخالفها في النزول، فربّ سورة مكيّة فيها آيات مدنيّة أو بالعكس، و استقصى ذلك جلال الدين السيوطي في «الإتقان» مستوعبا، غير أنّه اعتمد في الأكثر على روايات و نقول ضعيفة، ثم جاء المتأخرون ليأخذوا بذلك تقليدا من غير تحقيق[١] في حين أنّ غالبيّة القائلين بهذه الاستثناءات قالوا بها عن حدس أو اجتهاد في الرأي، من غير أن يستندوا الى نصّ صحيح مأثور. قال ابن الحصّار: إنّ من الناس من اعتمد في الاستثناء
[١] جاءت في المصحف الأميري المطبوع بالقاهرة بإذن مشيخة الأزهر و بإشراف لجنة مراقبة البحوث الإسلاميّة، استثناءات بأرقام كبيرة، لكنّه تقليد محض لا أصل لأكثريّتها الساحقة. و هكذا سجّلها من غير تحقيق الشيخ أبو عبد اللّه الزنجاني في تاريخ قرآنه.
أضف الى ذلك تناقضات جاءت في هكذا اختيارات تقليديّة:
مثلا: جاء في المصحف الأميري أنّ سورة الم تنزيل- السجدة- نزلت بعد سورة المؤمن، و أنّ سورة حم تنزيل- فصلت- نزلت بعد سورة غافر! في حين أنّ المؤمن و غافر اسمان لسورة واحدة! و أثبت أبو عبد اللّه في تاريخ قرآنه قائمتين بشأن ترتيب نزول السور فذكر في القائمة الأولى: أنّ سورة الأنعام نزلت بعد الحجز. و في الثانية: أنّها نزلت بعد الكهف! كما ذكر في الأولى أنّ الأعراف نزلت بعد ص و في الثانية: نزلت بعد الأنفال! و ذكر أنّ السور المكيّة: ٨٥. و السور المدنيّة: ٢٨. و لم يلتفت أنّها تنقص مجموع سور القرآن بواحدة! و أظنّه في ذلك قلّد الإمام بدر الدين الزركشي!! كما جاء في مصحف مطبوع في ايران على عهد القاجاريّة قائمتان، الأولى تسجّل عام نزول كلّ سورة، و الثانية تسجّل ترتيب النزول. فجاء في الأولى: نزلت الصافات في العام الخامس من البعثة، و نزلت الأنعام في العام الثالث عشر. ثم جاء في القائمة الثانية: أنّ الصّافات نزلت بعد الأنعام!! و أمثال هذا التناقض كثير.