التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٦ - التنزيل و التأويل
بمثل أعمالهم ...»[١].
ذلك أنّ للآية وجها مرتبطا بالحادثة الواقعة- التي استدعت نزولها- و وجها آخر عاما تكون الآية بذلك دستورا كليّا يجري عليه المسلمون أبديا، و كما أنّ الآية عالجت- بوجهها الخاصّ- مشكلة حاضرة، فإنّها- بوجهها العام- سوف تعالج مشاكل الامة على مرّ الأيام ...
قال الإمام أبو جعفر (عليه السلام): «و لو أنّ الآية نزلت في قوم ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء و لكن القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات و الأرض. و لكلّ قوم يتلونها، هم منها من خير أو شرّ»[٢].
نعم، انّ الحكمة في نزول آية أو سورة، ليست بالتي تقتصر على معالجة مشاكل حاضرة، و ليست دواء وقتيّا لداء عارض وقتي .. إذن تنتفي فائدتها بتبدّل الأحوال و الأوضاع .. بل القرآن، في جميع آية و سوره، نزل علاجا لمشاكل امّة بكاملها في طول الزمان و عرضه .. و الى ذلك يشير قولهم (عليهم السلام): «نزل القرآن بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة»[٣].
و هذا الوجه العامّ للآية، هو ناموسها الأكبر، الكامن وراء ذلك الوجه الخاصّ، و إنّما يلقي بأضوائه على الآفاق من وراء ذلك الستار الظاهري، و تنبعث أنواره من ذلك البطن الكامن وراء هذا الظهر ...
و هذا من اختصاص القرآن في بيان مقاصده من الوجهين الخاص و العام، و من ثم فإنّ له تنزيلا (الذين نزل فيهم) و تأويلا (الذين عملوا بمثل أعمالهم).
و ذلك ظهره و هذا بطنه ..
غير أنّ الوقوف على تأويل القرآن و فهم بطون الآيات، انّما هو من
[١] تفسير العياشي: ج ١ ص ١١ ح ٤.
[٢] تفسير العياشي: ج ١ ص ١٠ ح ٧.
[٣] تفسير العياشي: ج ١ ص ١٠ ح ٤