التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - ٣ - إلهام نفسي،
قوله تعالى «وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا»[١] فهي تنتهج وفق فطرتها، و تستوحي من باطن غريزتها، مذلّلة لما اودع فيها من غريزة العمل المنتظم، و من ثم فهي لا تحيد عن تلك السبيل.
و من ذلك أيضا قوله تعالى: «وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها»[٢] أي قدّر.
و قد استوحى العجاج هذا المعنى من القرآن في قوله:
|
أوحى لها القرار فاستقرّت |
و شدّها بالراسيات الثبت[٣] |
|
٣- إلهام نفسيّ،
و هو شعور في الباطن، يحسّ به الإنسان إحساسا يخفى عليه مصدره أحيانا، و أحيانا يلهم أنّه من اللّه. و قد يكون من غيره تعالى.
و هذا المعنى هو المعروف عند الروحيّين بظاهرة التلباثي: «التخاطر من بعيد» و هو خطور باطني آني لا يعرف مصدره. قالوا: إنّها فكرة تنتقل من ذهن إنسان الى آخر، و المسافة بينهما شاسعة. أو القاء روحيّ، من قبل أرواح عالية أو سافلة[٤] و قيل: إنّها فكرة رحمانيّة توحيها الملائكة، تنفثها في روع إنسان يريد اللّه هدايته، أو وسوسة شيطانيّة تلقيها أبالسة الجنّ لغرض غوايته.
*** و من الإلهام الرحماني قوله تعالى «وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ».[٥]
[١] النحل: ٦٨.
[٢] فصلت: ١٢.
[٣] لسان العرب: ج ١٥ ص ٣٨٠.
[٤] راجع رءوف عبيد، مفصل الإنسان روح لا جسد: ج ١ ص ٥٤٢.
[٥] القصص: ٧.