التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - ٢ - تركيز غريزي فطري،
و لعل هذا التعميم في مفهوم الوحي- عند ابن فارس- كان في اصل وضعه، غير أنّ الاستعمال جاء فيما كان خفيّا:
قال أبو إسحاق: أصل الوحي في اللغة كلّها: إعلام في خفاء، و لذلك سمي الإلهام وحيا.
و قال ابن بري: وحى إليه و اوحى: كلّمه بكلام يخفيه من غيره. و وحي و أوحى: أومأ. قال الشاعر:
فأوحت إلينا و الأنامل رسلها[١].
أي أشارت بأناملها.
و لعلّ الخفاء في مفهوم الوحي جاء من قبل اعتبار السرعة فيه، فالإيماءة السريعة تخفى- طبعا- على غير المومى إليه. يقال: موت وحيّ أي سريع. و منه «الوحا الوحا» أي البدار البدار، يقال ذلك عند الاستعجال و منه الحديث:
«و إن كانت خيرا فتوحه» أي أسرع إليه. قال ابن الأثير: و الهاء للسكت[٢].
قال الزمخشري: أوحى إليه و أومى بمعنى. و وحيت إليه و أوحيت: إذا كلّمته بما تخفيه عن غيره. و توحّى أي أسرع، قال الأعشى:
|
مثل ريح المسك ذاك ريحها |
صبّها الساقي إذا قيل: توح[٣] |
|
الوحي في القرآن: و استعمله القرآن في اربعة معان:
١- نفس المعنى اللغوي:
الإيماءة الخفيّة. و قد مرّ في آية مريم.
٢- تركيز غريزيّ فطريّ،
و هو تكوين طبيعيّ مجعول في جبلّة الاشياء، استعارة من إعلام قوليّ لإعلام ذاتي، بجامع الخفاء في كيفيّة الإلقاء و التلقّي، فبما أن الوحي إعلام سرّي، ناسب استعارته لكلّ شعور باطنيّ فطريّ. و منه
[١] لسان العرب: ج ١٥ ص ٣٨٠.
[٢] النهاية: ج ٥ ص ١٦٣.
[٣] أساس البلاغة: ج ٢ ص ٤٩٦.