التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - الوحي عند فلاسفة الغرب
أحدهما جسمانيّ، و من الآخر روحانيّ، فلا غرو أن يتّصل- أحيانا- بعالم وراء المادّة، و يكون هذا الاتصال مرتبطا بجانبه الروحي الباطن. و هو اتّصال خفيّ، الأمر الذي يشكّل ظاهرة الوحي.
الوحي: ظاهرة روحيّة، قد توجد في آحاد من الناس، يمتازون بخصائص روحيّة تؤهّلهم للاتصال بالملإ الاعلى، إمّا مكاشفة في باطن النفس أو قرعا على مسامع، يحسّ به الموحى إليه إحساسا مفاجئا يأتيه من خارج وجوده، و ليس منبعثا من داخل الضمير، و من ثم لا يكون الوحي ظاهرة فكريّة تقوم بها نفوس العباقرة- كما يزعمه ناكرو الوحي- كلّا، بل إلقاء روحانيّ صادر من محلّ أرفع الى مهبط صالح أمين.
قال تعالى: «أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ»[١].
نعم شيء واحد لا نستطيع إدراكه، و إن كنّا نعتبره واقعا حقّا، و نؤمن به إيمانا صادقا، و هو: كيف يقع هذا الاتصال الروحيّ؟ هذا شيء يخفى علينا إذا كنّا نحاول إدراكه بأحاسيسنا الماديّة أو نريد التعبير عنه بمقاييسنا اللفظيّة الكلاميّة، إنّها الفاظ وضعت لمفاهيم لا تعدو الحسّ أو لا تكاد. و كلّ ما باستطاعتنا إنّما هو التعبير عنه على نحو التشبيه و الاستعارة أو المجاز و الكناية لا أكثر، فهو ممّا يدرك و لا يوصف، فالوحي ظاهرة روحيّة يدركها من يصلح لها.
و لا يستطيع غيره أن يصفها وصفا بالكنه، ما عدا التعبير عنها بالآثار و العوارض هذا فحسب.
الوحي عند فلاسفة الغرب:
أشرنا فيما سبق أنّ فلاسفة اروبا بعد أن عادوا الى الاعتراف بوجود
[١] يونس: ٢.