التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - ١ - الرؤيا الصادقة
(صلى اللّه عليه و آله) فكان يأتيه الوحي تارة في المنام، و هذا- أكثريا- كان في بدء نبوّته. و اخرى وحيا مباشريّا من جانب اللّه، بلا توسيط ملك. و ثالثة مع توسيط جبرئيل عليه السلام. غير أنّ الوحي القرآني كان يخصّ الأخيرين إمّا مباشرة أو على يد ملك. و إليك بعض التفصيل:
١- الرؤيا الصادقة:
كان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، كان (صلى اللّه عليه و آله) لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح- و هو كناية عن تشعشع نورانيّ كان ينكشف لروحه المقدّسة، تمهيدا لإفاضة روح القدس عليه صلوات اللّه عليه و آله- ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه[١]، الليالي اولات العدد، قبل أن يرجع الى أهله، و يتزوّد لذلك، ثم يرجع الى خديجة فتزوّده لمثلها[٢]، حتى فجأه الحقّ، و هو في غار حراء: جاءه الملك فقال:
«أقرأ ...»[٣].
قال علي بن إبراهيم القميّ: «إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لمّا أتى له سبع و ثلاثون سنة، كان يرى في منامه كأنّ آتيا يأتيه، فيقول: يا رسول اللّه.
و مضت عليه برهة من الزمن و هو على ذلك يكتمه، و إذا هو في بعض الأيّام يرعى غنما لأبي طالب في شعب الجبال إذ رأى شخصا يقول له: يا رسول اللّه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني اللّه إليك ليتّخذك رسولا ...»[٤].
[١] التحنّث: التحنّف، و هو الميل الى الحنيفيّة، كناية عن التعبّد الذي هو مطهرة للعبد، قال ابن هشام:
تقول العرب: التحنّث و التحنّف، فيبدلون الفاء من الثاء، كما في جدث و جدف أي القبر. قال:
و حدّثني أبو عبيدة أنّ العرب تقول: فمّ في موضع ثم، راجع السيرة: ج ١ ص ٢٥١.
[٢] التزوّد: استصحاب الزاد.
[٣] صحيح البخاري: ج ١ ص ٣. و صحيح مسلم: ج ١ ص ٩٧. و تاريخ الطبري: ج ٢ ص ٢٩٨.
[٤] بحار الأنوار: ج ١٨ ص ١٨٤ ح ١٤ و ١٩٤ ح ٣٠.