التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - ١ - الرؤيا الصادقة
عليه في المنام. نعم و إن كان بعض رواه أسبابا لنزول القرآن، كما في قوله تعالى: «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ ...»[١] فقد رأى النبي (صلى اللّه عليه و آله) ذلك، عام الحديبيّة[٢] و صدقت عام الفتح[٣]. و كما في قوله: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ»[٤] فقد أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي و ابن عساكر، عن سعيد بن المسيّب، قال: رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بني اميّة على المنابر، فساءه ذلك، فأوحى اللّه إليه: إنّما هي دنيا أعطوها و هي قوله تعالى: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ...» يعني بلاء للناس[٥].
هذا ... و قد ذكر بعضهم أنّ سورة الكوثر نزلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في المنام، لرواية أنس بن مالك، قال: بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسّما. فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)؟ فقال: انزلت عليّ آنفا سورة، فقرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ...» الخ[٦].
قال الرافعي: إنّهم فهموا من ذلك أنّ السورة نزلت في تلك الإغفاءة، لكن الأشبه أنّه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة عليه قبل ذلك، فقرأها عليهم و فسّرها لهم. قال: و قد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحى- و يقال لها: برحاء الوحي- و هي سبتة شبه النعاس كانت تعرضه من ثقل الوحي.
قال جلال الدين: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، و التأويل الأخير أصحّ من الأوّل لأنّ قوله «آنفا» يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نزلت في
[١] الفتح: ٢٧.
[٢] و هي سنة ست من الهجرة.
[٣] و هي سنة ثمان.
[٤] الاسراء: ٦٠.
[٥] الدر المنثور: ج ٤ ص ١٩١. و تفسير الطبري: ج ١٥ ص ٧٧.
[٦] الدر المنثور: ج ٦ ص ٤٠١.