التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - الوحي عند فلاسفة الغرب
العالم الماديّ. و ليس اتصالا أو تقاربا مكانيا لكي يستلزم تحيّزا، في جانبه تعالى. و أظنّهم قاسوا من امور ذاك العالم غير الماديّ بمقاييس تخصّ العالم الماديّ. مع العلم أنّ الألفاظ هي التي تكون قاصرة عن أداء الواقع، و أنّ التعبير بنزول الوحي أو الملك تعبير مجازيّ، و ليس سوى إشراق و إفاضة قدسيّة ملكوتيّة يجدها النبيّ (عليه السلام) حاضرة نفسه، ملقاة عليه من خارج روحه الكريمة.
و ليست منبعثة من داخل كيانه هو.
هذا هو حقيقة الوحي الذي نعترف به، من غير أن يقتضي تحيّزا في ذاته تعالى.
أمّا التعليل الذي يعلّلون به ظاهرة الوحي، فهو في واقعه إنكار للوحي و تكذيب ملتو للانبياء بصورة عامّة، كما هم فسّروا معجزة إبراء الأكمه و الأبرص بظاهرة الهبنوتوزم (المغناطيسيّة الحيوانيّة) فجعلوا من المسيح (عليه السلام) إنسانا مشعوذا- حاشاه- يستغلّ من عقول البسطاء مجالا متسعا لترويج دعوته، بأساليب خدّاعة ينسبها الى البارئ تعالى ...! و نحن نقدّس ساحة الأنبياء من أيّ مراوغة أو احتيال مسلكيّ، و حاشاهم من ذلك. و ما هي إلّا واقعيّة بنوا عليها دعوتهم الإصلاحيّة العامّة، واقعيّة يعترف بها العلم سواء في مراحله القديمة أو الجديدة الحاضرة. إذن لا مبرّر لتأويل ما جاء في كتب الأنبياء من ظاهرة الوحي، اتصالا حقيقيا بمبدإ أعلى.
نعم: إنّ ما بقي بأيدي الناس من تراجم كتب منسوبة الى الأنبياء السالفين، لم تبق سالمة من تطاول أيدي المحرّفين، و من ثمّ ففيها من الغثّ و السمين الشيء الكثير، و نحن نربأ بعلماء محقّقين أن يجعلوا من موضوع دراستهم لشئون الأنبياء (عليهم السلام) تلكم التراجم المحرّقة.