التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٣ - ترتيب النزول
«يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ»[١]. و فيها: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ»[٢]. فإن أراد المفسّرون أنّ الغالب ذلك فهو صحيح، و لذا قال مكي بن حموش: هذا إنّما هو في الأكثر و ليس بعامّ. و في كثير من سور مكيّة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»[٣].
و قال القاضي أبو بكر: كانت العادة تقضي بحفظ الصحابة ذلك، غير أنّه لم يكن من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في ذلك قول، و لا ورد عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: ما نزل بمكة كذا و بالمدينة كذا و إنّما لم يفعله لأنّه لم يؤمر به، و لم يجعل اللّه علم ذلك من فرائض الامّة، و كذلك الصحابة و التابعون من بعدهم، لمّا لم يعتبروا ذلك من فرائض الدين، لم تتوفّر الدواعي على إخبارهم به، و مواصلة ذلك على أسماعهم. و إذا كان الأمر على ذلك ساغ أن يختلف من جاء بعدهم في بعض القرآن: هل هو مكيّ أو مدنيّ؟ و أن يعملوا في القول بذلك ضربا من الرأي و الاجتهاد ...[٤].
ترتيب النزول:
اعتمدنا في هذا العرض على عدة روايات متفق عليها. وثق بها العلماء أكثريا، و عمدتها رواية ابن عباس بطرق و أسانيد اعترف بها أئمّة الفنّ[٥].
قال الإمام بدر الدين الزركشي: و على هذا الترتيب استقرت الرواية من الثقات[٦]. و قد أخذناها الأصل الأول في هذا العرض، و اكملنا ما سقط منها
[١] النساء: ١.
[٢] النساء: ١٣٣.
[٣] لم نجد في سورة مكيّة« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» نعم فيها كثير ذكر« الَّذِينَ آمَنُوا» بلا خطاب. كما في سورة ص و الزمر و غافر و فصلت و غيرها.
نعم ذكر الزركشي مثالا لذلك قوله تعالى:« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا» سورة الحج: ٧٧.
فزعمها مكيّة. لكن الصحيح أنّها مدنيّة و سيأتي ذلك.
[٤] راجع البرهان: ج ١ ص ١٩٠- ١٩٢.
[٥] راجع مجمع البيان: ج ١٠ ص ٤٠٥- ٤٠٦. و الإتقان: ج ١ ص ١٠- ١١ و ٢٥.
[٦] البرهان: ج ١ ص ١٩٣- ١٩٤.