التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٨ - ٤ - اختلاف المصاحف
٤- اختلاف المصاحف:
كانت الغاية من إرسال المصاحف الى الآفاق، هي رعاية جانب وحدة الكلمة لئلا تختلف، و ليجتمع المسلمون على قراءة واحدة و نبذ ما سواها. فكان يجب أن تكون هذه المصاحف مستنسخة على نمط واحد، و أن تكون موحدة من جميع الوجوه. و من ثم كان يجب على أعضاء المشروع أن يتحقّقوا من وحدتها و يقابلوا النسخ مع بعضها في دقّة كاملة.
غير أنّ الواقعيّة بدت بوجه آخر، و جاءت المصاحف يختلف مع بعضها البعض. كان المصحف المدنيّ يختلف عن المصحف المكيّ، و المصحف المكيّ يختلف عن الشاميّ، و هذا عن البصريّ، و الكوفيّ و هكذا. الأمر الذي يدلّ بوضوح أنّ اللجنة تساهلت في أمر المقابلة- أيضا- فلم يأخذوا بالدقّة الكاملة في جانب توحيد المصاحف المرسلة الى الآفاق.
و صار هذا الاختلاف في المصاحف، من أهم أسباب نشوء الاختلاف القرائي فيما بعد، و فتح باب جديد لاختلاف القراءات في حياة المسلمين.
كان قاري كلّ مصر و مقرئها يلتزم- طبعا- بقراءة ما في مصحفهم من نصّ. و كان عليه أيضا أن يختار نوع الحرف و الشكل حسب ما يبدو له من ظاهر الكلمة المثبتة في المصحف بلا نقط و لا تشكيل. و من ثم كانت السلائق و المذاويق، و كذلك الأنظار و الأفهام تختلف في هذا الاختيار.
أمّا الرواية و السماع عن الشيخ، فهي لا تنضبط تماما و في جميع الوجوه إذا لم تكن مثبتة في سجلّ أو في نصّ المصحف ذاته. فلا بدّ أن يقع فيها خلط أو اشتباه من جانب النقل أو السماع، و لا سيّما إذا طالت الفترة بين الشيخ الأوّل و القارئ الأخير.
و من ثم ظهرت قراءة مكة. و قراءة المدينة. و قراءة البصرة. و قراءة الكوفة و قراءة الشام. و هكذا ... الأمر الذي كان كرا على ما فروا منه!