التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - اسطورة الغرانيق
كلّف الأمر. فلمّا نزلت عليه سورة النجم، فجعل يتلوها حتى إذا بلغ: «أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى. وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى»[١] ألقى عليه الشيطان: «تلك الغرانيق العلى و إنّ شفاعتهنّ لترتجى»[٢] فحسبها وحيا، فقرأها على ملأ من قريش، ثم مضى و قرأ بقيّة السورة. حتى إذا أكملها سجد و سجد المسلمون، و سجد المشركون أيضا، تقديرا بما وافقهم محمد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في تعظيم آلهتهم و رجاء شفاعتهم. و طار هذا النبأ حتى بلغ مهاجري الحبشة، فجعلوا يرجعون الى بلدهم مكة. فرحين بهذا التوافق المفاجئ. كما فرح النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أيضا بتحقيق أمنيته القديمة على ائتلاف قومه.
و يقال: إنّ شيطانا أبيض هو الذي تمثّل للنبيّ في صورة جبرئيل و ألقى عليه تينك الكلمتين.
و يقال: كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يصلّي عند المقام إذ نعس نعسة فجرت على لسانه هاتان الكلمتان من غير شعور بهما.
و يقال: النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) هو الذي تكلّم بهما من تلقاء نفسه حرصا على ائتلاف قلوب المشركين. ثم ندم من فعله هذا الذي كان افتراء على اللّه! و يقال: إنّ الشيطان أجبره على النطق بهذا الكلام ... الخ.
ثم لمّا أمسى الليل أتاه جبرائيل، فقال له: اعرض عليّ السورة. فجعل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) يقرأها عليه حتى إذا بلغ الكلمتين قال جبرائيل:
مه، من أين جئت بهاتين الكلمتين فتندّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قال:
لقد افتريت على اللّه، و قلت على اللّه ما لم يقل؟! فحزن حزنا شديدا، و خاف من اللّه خوفا كبيرا.
[١] النجم: ١٩- ٢٠.
[٢] الغرانيق: جمع الغرنوق. و هو الشاب الناعم الأبيض. و في الأصل: اسم لطير الماء( مالك الحزين) و هو تشبيه آلهة المشركين بطيور بيض متحلّقة في أجواء السماء، كناية عن قربهم من اللّه.