التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - جانب روحانية الإنسان
الأمم المتديّنة يقولون بالوحي، و كانت كتبهم مشحونة بأخبار الأنبياء، فلمّا جاء العلم الجديد بشكوكه و ماديّاته، ذهبت الفلسفة الغربيّة الى أنّ مسألة الوحي، هي من بقايا الخرافات القديمة، و تغالت حتى أنكرت الخالق و الروح معا، و علّلت ما ورد عن الوحي في الكتب القديمة بأنّه إمّا اختلاق من المتنبئة أنفسهم لجذب الناس إليهم و تسخيرهم لمشيئتهم، و إمّا هذيان مرضي يعتري بعض العصبيّين، فيخيّل إليهم أنّهم يرون أشباحا، تكلّمهم و هم لا يرون في الواقع شيئا.
راج هذا التعليل في العالم الغربي، حتى صار مذهب العلم الرسمي. فلمّا ظهرت آية الروح في أمريكا سنة ١٨٤٦ م و سرت منها الى اروبا كلّها، و أثبت الناس بدليل محسوس وجود عالم روحانيّ آهل بالعقول الكبيرة و الأفكار الثاقبة، تغيّر وجه النظر في المسائل الروحانيّة، و حييت مسألة الوحي بعد أن كانت في عداد الأضاليل القديمة. و أعاد العلماء البحث فيها على قاعدة العلم التجريبي المقرّر، لا على اسلوب التقليد الديني، و لا من طريق الضرب في مهامّ الخيالات، فتأدّوا الى نتائج، و إن كانت غير ما قرّره علماء الدين الإسلامي، إلّا أنّها خطوة كبيرة في سبيل إثبات أمر عظيم كان قد احيل الى عالم الأمور الخرافيّة[١].
جانب روحانية الإنسان:
قلنا: إنّ موجة إلحاديّة لم تطل غير قرنين، كادت تطبق العالم المتمدّن، لو لا أن قام في وجهها واقع الأمر، الذي تجلّى أخيرا على محيي العلم، فانقاد له العلماء المحقّقون أجمع، و من ثم اندحرت تلك الفكرة الإلحاديّة، و تراجعت القهقرى تراجعا مع الأبد.
[١] دائرة معارف القرن العشرين: ج ١٠ ص ٧١٣.