التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٢ - ٢ - سورة الأنعام مكية
الثانية: قوله تعالى: «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ»[١].
و لا شاهد للاستثناء في هاتين الآيتين إطلاقا. و لعلّ السبب مجيء ذكر أهل الكتاب فيهما، على غموض في الثانية. و لا دليل في ذلك، بعد أن جاء ذكر أهل الكتاب في كثير من سور مكيّة. كقوله تعالى: «وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»[٢]، و لم يستثنها أحد. و كذلك قوله تعالى: «وَ كَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ»[٣]. و امثال ذلك كثير.
*** الثالثة: قوله تعالى: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ»[٤].
قرأ ابن كثير و أبو عمرو: «يجعلونه قراطيس يبدونها و يخفون كثيرا»[٥] قيل:
نزلت في جماعة من اليهود، قالوا: يا محمد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنزل اللّه عليك كتابا؟ قال: نعم. قالوا: و اللّه ما أنزل اللّه من السماء كتابا.
و قيل: نزلت في مالك بن الصيف، و كان حبرا من أحبار يهود قريظة، و كان سمينا، فقال له النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، اما تجد في التوراة: «إنّ اللّه يبغض الحبر السمين»؟. فغضب و قال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء و قيل: الذي خاصم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في هذا المقال هو فنحاص بن عازوراء اليهودي.
[١] الانعام: ٢٣.
[٢] العنكبوت: ٤٦ و ٤٧.
[٣] العنكبوت: ٤٦ و ٤٧.
[٤] الانعام: ٩١.
[٥] الكشف عن القراءات السبع: ج ١ ص ٤٤٠.