التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٤ - بدء نزول الوحي«البعثة»
يظهر له جبرئيل (عليه السلام) برسالة اللّه إليه، يرى و يعاين آثارا و أسبابا من آثار من يريد اللّه إكرامه و اختصاصه بفضله، فكان من ذلك ما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقّا بطنه[١] و استخرجا ما فيه من الغلّ و الدنس، و هو عند امّه من الرضاعة حليمة. و من ذلك أنّه كان إذا مرّ في طريق لا يمرّ بشجر و لا حجر إلّا سلّم عليه. و هكذا كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، و يفضي الى الشعاب و بطون الأودية. فلا يمرّ بحجر و لا شجر إلّا قال: السلام عليك يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فكان يلتفت عن يمينه و شماله و خلفه فلا يرى أحدا[٢].
قال اليعقوبي: كان جبرائيل يظهر له و يكلّمه أو ربّما ناداه من السماء و من الشجر و من الجبل. ثم قال له: إنّ ربّك يأمرك أن تجتنب الرجس من الأوثان، فكان أوّل أمره. فكان رسول اللّه يأتي خديجة ابنة خويلد و يقول لها ما سمع و تكلّم به، فتقول له: استر يا ابن عم! فو اللّه إنّي لأرجو أن يصنع اللّه بك خيرا[٣].
*** و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يوم بعث قد استكمل الأربعين، لعشرين مضين من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان[٤]. قال اليعقوبي: كان مبعثه (صلى اللّه عليه و آله) في شهر ربيع الأوّل. و قيل: في رمضان. و من شهور العجم: في شباط. قال: و أتاه جبرئيل ليلة السبت و ليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين[٥]. قال ابن سعد: نزل الملك على رسول اللّه (صلى اللّه عليه
[١] لم يرد بهذا التعبير حديث من طريق أهل البيت( عليهم السلام) و لعل هذه التعابير كانت كناية عن امور معنويّة بإبعاد الصفات الخسيسة عن طباعه( صلى اللّه عليه و آله).
[٢] تاريخ الطبري: ج ٢ ص ٢٩٤- ٢٩٥.
[٣] تاريخ اليعقوبي: ج ٢ ص ١٧ طبعة النجف الثانية.
[٤] الكامل في التاريخ: ج ٢ ص ٣١.
[٥] تاريخ اليعقوبي: ج ٢ ص ١٧- ١٨.