التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - جمع زيد بن ثابت
جمع زيد بن ثابت:
كان ذاك الرفض القاسي لمصحف علي (عليه السلام) يستدعي التفكير في القيام بمهمّة جمع القرآن مهما كلّف الأمر، بعد أن أحسّ الناس بضرورة جمع القرآن في مكان، و لا سيّما كانت وصيّة نبيّهم (صلى اللّه عليه و آله) بجمعه لئلا يضيع، كما ضيّعت اليهود توراتهم[١].
هذا و القرآن هو المرجع الأوّل للتشريع الإسلامي، و الأساس الركين لبنائة صرح الحياة الاجتماعيّة في كافّة شئونها المختلفة آنذاك، و لا يصحّ أن يبقى مفرّقا على العسب و اللخاف أو في صدور الرجال، و لا سيّما و قد استحر القتل بكثير من حامليه، و يوشك أن يذهب القرآن بذهاب حامليه، فقد قتل منهم سبعون في واقعة اليمامة، و في رواية: أربعمائة[٢].
و هذه الفكرة أبداها عمر بن الخطاب، و اقترح على أبي بكر- و هو وليّ المسلمين يوم ذاك- أن ينتدب لذلك من تتوفر فيه شرائط القيام بهذه المهمّة الخطيرة، فوقع اختيارهم على زيد بن ثابت، و هو شاب حدث فيه مرونة حداثة السنّ، و له سابقة كتابة الوحي أيضا. فقد ملك الجدارة الذاتيّة من غير أن يخشى منه على جوانب الخلافة الفتيّة في شيء، كما كان يخشى من غيره من كبار الصحابة، و فيهم شيء من المناعة و الجموح و عدم الانقياد التام لميول السلطة و اتجاهاتها آنذاك.
قال زيد: أرسل اليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، و عمر جالس عنده.
قال: انّ هذا- و أشار الى عمر- أتاني و قال: إنّ القتل قد استحر يوم اليمامة بقرّاء
[١] تفسير القمي: ص ٧٤٥.
[٢] فتح الباري: ج ٧ ص ٤٤٧. و في تفسير الطبري: ج ٣ ص ٢٩٦. قتل من المهاجرين و الأنصار من قصبة المدينة يومئذ ثلاثمائة و ستون و من المهاجرين من غير أهل المدينة ثلاثمائة و من التابعين ثلاثمائة، و في كتاب أبي بكر الى خالد: ص ٣٠٠: دم ألف و مائتي رجل من المسلمين لم يجفّف بعد ...