التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٠ - المكي و المدني
و ما أشبه. و من ثم حاول العلماء جهدهم في تعيين المكيّات من المدنيّات، و وقع إجماعهم على قسم كبير، و اختلفوا في البقيّة. كما استثنوا آيات مدنيّة في سور مكيّة أو بالعكس، و لذلك تفصيل طريف يأتي.
و الملاك في تعيين المكّي و المدنيّ مختلف حسب اختلاف الآراء و الأنظار في ذلك، و فيما يلي ثلاث نظريّات جاءت مشهورة:
الاولى: اعتبار ذلك بهجرة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و وصوله الى المدينة المنوّرة.
فما نزل قبل الهجرة أو في اثناء الطريق قبل وصوله الى المدينة، فهو مكيّ، و ما نزل بعد ذلك فهو مدنيّ.
و الملاك على هذا الاعتبار ملاك زمني، فما نزل قبل وقت الهجرة، و لو في غير مكّة فهو مكّي. و ما نزل بعد الهجرة و لو في غير المدينة حتى و لو نزل في مكّة عام الفتح أو في حجة الوداع، فهو مدنيّ باعتبار نزوله بعد الهجرة. و على هذا الاصطلاح فجميع الآيات النازلة في الحروب و في أسفاره (صلى اللّه عليه و آله) بما أنّها نزلت بعد الهجرة، كلّها مدنيّات.
قال يحيى بن سلام: ما نزل بمكّة أو في طريق المدينة قبل أن يبلغها (صلى اللّه عليه و آله) فهو مكّي. و ما نزل بعد ما قدم (صلى اللّه عليه و آله) المدينة أو في بعض أسفاره و حروبه فهو مدنيّ. قال جلال الدين: و هذا أثر لطيف يؤخذ منه أنّ ما نزل في سفر الهجرة مكيّ اصطلاحا[١].
و ذلك كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ»[٢] قيل: نزلت بالجحفة و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في طريق هجرته الى المدينة[٣].
الثانية: ما نزل بمكّة و حواليها- و لو بعد الهجرة- فهو مكيّ، و ما نزل بالمدينة و حواليها فهو مدنيّ. و ما نزل خارج البلدين، بعيدا عنهما فهو لا مكىّ و لا مدنيّ،
[١] الإتقان: ج ١ ص ٩.
[٢] القصص: ٨٥.
[٣] البرهان: ج ١ ص ١٩٧.