التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - ٤ - الوحي الرسالي
مُوسى تَكْلِيماً. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً»[١].
و الوحي الرسالي لا يعدو مفهومه اللغويّ بكثير، بعد أن كان إعلاما خفيّا، و هو اتصال غيبيّ بين اللّه و رسوله، يتحقّق على أنحاء ثلاثة، كما جاءت في الآية الكريمة: «وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ»[٢].
فالصورة الأولى: القاء في القلب و نفث في الروع. و الثانية: تكليم من وراء حجاب، بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)[٣] و لا يرى شخص المتكلّم. و الثالثة: إرسال ملك الوحي فيبلّغه الى النبيّ، إمّا عيانا يراه، أولا يراه و لكن يستمع الى رسالته.
إذن فالفارق بين الوحي الرسالي و سائر الإيحاءات المعروفة، هو جانب مصدره الغيبي اتصالا بما وراء المادة. فهو إيحاء من عالم فوق، الأمر الذي دعى بأولئك الذين لا يروقهم الاعتراف بما سوى هذا الإحساس المادي، أن يجعلوا من الوحي الرسالي سبيله الى الإنكار، أو تأويله الى وجدان باطنيّ ينتشي من عبقريّة واجده و سنبحث عن ذلك في فصل قادم.
(ملحوظة) بما أنّ الوحي ظاهرة روحيّة، فإنّه بأيّ أقسامه إنّما كان مهبطه قلبه الشريف (شخصيّته الباطنة: الروح) سواء أ كان وحيا مباشريا من اللّه أم بواسطة جبرائيل. قال تعالى: «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ»[٤]. «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
[١] النساء: ١٦٣- ١٦٧.
[٢] الشورى: ٥١.
[٣] لكن لا بهذه الأذن الماديّة و إلا لسمعه الآخرون ايضا، بل بذلك السمع الذي يخص باطنه، قال تعالى:« فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ».
[٤] البقرة: ٩٧.