التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٥ - ١ - الترتيب
لكن عثمان عمد الى سورة الأنفال فجعلها هي و سورة براءة سابعة السبع الطوال، زعمهما سورة واحدة و أخّر سورة يونس الى سور المئين.
الأمر الذي أثار ابن عباس[١] ليعترض على عثمان، قائلا: ما حملكم على أن عمدتم الى الأنفال، و هي من المثاني[٢] و إلى براءة و هي من المئين، فقرنتم بينهما و لم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[٣] و وضعتموهما في السبع الطوال؟! قال عثمان: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول:
ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا. و كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، و كانت براءة من آخر القرآن نزولا. و كانت قصّتها شبيهة بقصّتها، فظننت أنّها منها، فقبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و لم يبيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، و لم أكتب بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، و وضعتهما في السبع الطوال.
قال الحاكم: و الحديث صحيح على شرط الشيخين[٤].
و هذا يدلّ على اجتهاد الصحابة في ترتيب المصحف. فكان عثمان يعرف أنّ آيات من سور ربّما كان يتأخّر نزولها، فيأمر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أن توضع موضعها من السورة المتقدّمة. فزعم عثمان أنّ سورة براءة هي من تتمّة سورة الأنفال[٥] لتشابه ما بينهما في السياق العامّ: تعنيف بمناوئي الإسلام من
[١] سبق أنّ عضويته في لجنة توحيد المصاحف كانت متأخّرة.
[٢] لعلّه ينظر الى مصحف ابن مسعود الذي جعلها من المثاني. أمّا في مصحف ابي بن كعب فهي من المئين.
[٣] أيضا ينظر الى مصحف ابن مسعود الذي أثبت فيه البسملة لسورة براءة.
[٤] مستدرك الحاكم: ج ٢ ص ٢٢١ و ٣٣٠.
[٥] و هكذا روى العياشي: ج ٢ ص ٧٣ ح ٣ بسنده عن أحدهما( عليهما السلام) قال: الأنفال و سورة براءة واحدة.
و هناك اختلاف بين العلماء في انّهما سورة واحدة ام اثنتان؟ راجع مجمع البيان: ج ٥ ص ٢. و ربّما كان يرجّح القول بأنّهما سورة واحدة ما ورد: إنّما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ابتداء للأخرى. تفسير العياشي: ج ١ ص ١٩ ح ٥.