التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٠ - أمد هذه المصاحف
أمّا ابن مسعود فامتنع أن يدفع مصحفه الى رسول الخليفة، و ظلّ محتفظا به في صرامة بالغة أدّت الى مشاجرة عنيفة جرت بينه و بين عثمان، كان فيها إبعاده عن عمله و أخيرا حتفه.
عند ما جاء رسول الخليفة الى الكوفة لأخذ المصاحف، قام ابن مسعود خطيبا قائلا: أيّها الناس إنّي غالّ مصحفي، و من استطاع أنّ يغلّ مصحفا فليغلل، فإنّه من غلّ يأت يوم القيامة بما غلّ و نعم الغلّ المصحف[١].
و هكذا كان يحرّض الناس على مخالفة الحكم القائم، الأمر الذي جرّ عليه الويلات، فأشخصه الخليفة الى المدينة و جرى بينهما كلام عنيف انتهى الى ضربه و كسر أضلاعه و إخراجه من المسجد بصورة مزرية.
روى الواقدي بإسناده و غيره: أنّ ابن مسعود لمّا استقدم المدينة دخلها ليلا، و كانت ليلة جمعة، فلمّا علم عثمان، بدخوله، قال: أيّها النّاس إنّه قد طرقكم الليلة دويبة، من يمشي على طعامه يقيء و يسلح.
قال ابن مسعود: لست كذلك و لكنّني صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يوم بدر، و صاحبه يوم أحد، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، و صاحبه يوم الخندق، و صاحبه يوم حنين ...
و صاحت عائشة: يا عثمان! أ تقول هذا لصاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)؟! فقال عثمان: اسكتي.
ثم قال لعبد اللّه بن زمعة بن الأسود: أخرجه إخراجا عنيفا! فأخذه ابن زمعة، فاحتمله حتى جاء به باب المسجد، فضرب به الأرض، فكسر ضلعا من أضلاعه. فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.
قال الراوي: فكأني أنظر الى حموشة ساقي عبد اللّه بن مسعود، و رجلاه تختلفان على عنق مولى عثمان، حتى اخرج من المسجد، و هو يقول: أنشدك اللّه
[١] المصاحف للسجستاني: ص ١٥.