التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥ - أدلة حديثة على وجود الروح
إنّ القلية العصبية المركّبة من كميّات متناسبة من الكوليسترين و الماء و الفسفور و حامض الأوميك ... الخ ليست بذاتها قوّة مدركة. و الحركة الاهتزازية هي بذاتها حركة ماديّة محضة، فكيف يولد اهتزاز هذه القلية العصبيّة و انتصابها إدراكا؟
هذا ما عجز الماديون عن تبيانه، أمّا الفلاسفة الروحيّون فيعلموننا بوجود شخصيّة عاقلة فينا، تدعى «النفس» تنتبه بهذا الاهتزاز، الى ما طرأ من الحوادث الخارجيّة و عند ما يتمّ انتباهها هذا يحدث الإدراك! و يؤيّد ذلك بأجلى بيان، حادث «الذهول».
مثلا عند ما نكون مستغرقين داخل حجرتنا في عمل من الأعمال، فربّما نغفل عن سماع تكتكة الساعة، بل حتى عن طرق ناقوسها أيضا، و مع هذا فإنّ اهتزازات الصوت أثّرت في عصب سمعنا و بلغت حتى الدماغ من دون أن ننتبه لها. و ما ذاك إلّا لكون نفسنا مشتغلة بأفكار اخرى لم تنتبه، و لا أثّرت فيها اهتزازات القلالي الدماغية فلم يحصل الإدراك السمعي.
و بالاختصار نجد أنّ المادّة هي بذاتها عديمة الاختيار، لا تولّد شيئا من تلقاء نفسها، و المادّة الدماغيّة هي آلة لتبيان إحساسات النفس العاقلة، و أفكارها. فلا تعقل هي لما يصدر بواسطتها من التعبيرات الفكريّة كآلة الساعة مثلا لا تدرك حركة الأوقات التي تشير إليها، كما لا تدرك قراطيس الكتاب الافكار المسطّرة عليها. «و من زعم أنّ الدماغ يدرك الفكر، فهو كمن يزعم أنّ الساعة تدرك حركة الوقت. أو القرطاس يدرك معاني الكتابة!».
*** ثانيا: قرّر علماء الفزيولوجيا- إجمالا- أنّ كلّ حركة تصدر من الإنسان أو الحيوان، يصحبها احتراق جزء من المادّة العضليّة. و كلّ فعل من الإرادة أو الحسّ يتأتّى عنه فناء في الأعصاب. و كلّ عمل فكريّ ينتج عنه إتلاف في الدماغ.