التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - أدلة حديثة على وجود الروح
ذاتيّة كقابلية الانطباع و الانتقاش و التلقّي، أمّا نفس الصّور و النقوش، فبما أنّها صفات طارئة عليها، و ليست ذاتيّة ناتجة من داخل الطبيعة، فلا بدّ أن تذهب تدريجيا مع فناء ذرّات سابقة. و لا تعود باقية إلّا مع إعادة العوامل الأولى، اللهمّ إلّا أن نقول بأنّ النفس هي التي تكرّر بقاء الصّور على الذرّات المستجدّة، و هذا يلتئم مع مطلوبنا في هذا البحث.
*** ثالثا: منذ قرن و نيّف وجدت طريقة بحثيّة تؤيّد وجود النفس بنوع حسّي، و هي طريقة «المغنطيسيّة الحيوانيّة» و فيها يشاهد انفصال الروح عن الجسد و قيامها بأعمال مدهشة تنبئ عن صحة وجودها الذاتي و صدور أعمال فكريّة بمعزل عن الحواس.
إنّ المغنطيسيّة الحيوانيّة- على ما حدّد منشئها الحديث «انطونيوس مزمر»- هي: عبارة عن سيال رقيق جدا ينبعث من جسم الفاعل في المغنطيسيّة الى الشخص المنفعل، بواسطة إشارات و حركات، بل نظرة حادقة تصدر من الأوّل الى الثاني.
إنّ هذه الظاهرة الروحيّة قديمة جدا، لكنّها كانت أو كادت تعدّ متأخرا من الخرافات البائدة، حتى جاء العلماء الروحيّون «فيسان» و «كرنيليوس» و «باراسلوس» ممّن عاشوا في القرن الرابع عشر و الخامس عشر، فأحيوا هذا العلم الروحي من جديد و وضعوا له اصولا و قواعد، نشرها فيما بعد «انطونيوس مزمر»[١]. و من ثم شاع و ذاع هذا العلم و اعترف به العلماء جميعا، فهو اليوم من الحقائق الراهنة التي تنمو و تزداد صيتا و أعوانا. الأمر الذي لا يبقى معه شكّ في أنّ الإنسان في كينونته الباطنة وجودا آخر، ذا طاقة جبّارة، يفعل بها أفعالا يعجز عنها هذا البدن المادّي، و تضعف عنها قواه الجسديّة.
[١] المذهب الروحاني: ص ٤٣.