التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - النبوة مقرونة بدلائل نيرة
و الآيات البيّنة، الدالّة على أنّ ما يوحى إليه إنّما هو من اللّه تعالى فلا يحتاج إلى شيء سواها، و لا يفزع و لا يفزّع و لا يفرق»[١].
و قال القاضي عياض: «لا يصحّ- أي في حكمته تعالى، و هو إشارة الى قاعدة اللطف- أن يتصوّر له الشيطان في صورة الملك، و يلبس عليه الأمر، لا في أوّل الرسالة و لا بعدها. و الاعتماد- أي اطمئنان النبيّ- في ذلك دليل المعجزة.
بل لا يشكّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ ما يأتيه من اللّه هو الملك و رسوله الحقيقي إمّا بعلم ضروريّ يخلقه اللّه له، أو ببرهان جليّ يظهره اللّه لديه.
لتتمّ كلمة ربّك صدقا و عدلا لا مبدّل لكلمات اللّه»[٢].
إذن فلا بدّ أن يكون النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حين انبعاثه نبيّا على علم يقين، بل عين يقين من أمره، لا يشكّ و لا يضطرب، مستيقنا مطمئنا باله مرعيّا بعناية اللّه تعالى و لطفه الخاص، منصورا مؤيّدا، و لا سيّما في بدء البعثة فيأتيه الناموس الأكبر و هو الحقّ الصراح معاينا مشهودا، و هي موقعيّة حاسمة لا ينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها أو يتروّع في موقفه ذلك الحرج العصيب: «إنّي لا يخاف لديّ المرسلون».
*** و أيضا فإنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لم يختره اللّه لنبوّته، إلّا بعد أن أكمل عقله و ادّبه فأحسن تأديبه. و عرّفه من أسرار ملكوت السماوات و الأرض ما يستأهله للقيام بمهمة السفارة و تبليغ رسالة اللّه الى العالمين. كما فعل بإبراهيم الخليل (عليه السلام) قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «و لقد قرن اللّه به (صلى اللّه عليه و آله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره ...[٣]» و قال الإمام
[١] مجمع البيان: ج ١٠ ص ٣٨٤.
[٢] رسالة الشفا: ص ١١٢.
[٣] نهج البلاغة: الخطبة القاصعة: ١٩٢ ص ٣٠٠ صبحي الصالح.