التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٢ - المكي و المدني
نعم، الطرق الى معرفة مواقع النزول: أنّها كانت بمكة أو بالمدينة أو بغيرهما، قليل جدا، لأنّ الأوائل لم يعيروا هذه الناحية المهمّة اهتماما معتدّا به، سوى ما ذكروه في عرض الكلام استطرادا، و هي استفادة ضئيلة للغاية، و من ثم يجب لمعرفة ذلك ملاحظة شواهد و قرائن من لفظ الآية أو استفادة من لهجة الكلام، خطابا مع نوعيّة موقف الموجّه اليهم: أ كان في حرب أم في سلم، وعد أم وعيد، إرشاد أو تكليف ...؟ فيما إذا أوجب ذلك علما أو حلّا قطعيّا لمشكلة في لفظ الآية، كما في قوله: «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما»[١]، فإنّ مشكلة دلالتها على مطلق الترخيص دون الإلزام و الإيجاب، تنحلّ بما أثّر في سبب نزولها[٢]. الأمر الذي يوجب الثقة بصحة الأثر، مع غضّ النظر عن ملاحظة السند، و من ثم فهي مدنيّة.
قال الجعبري: لمعرفة المكيّ و المدنيّ طريقان: سماعيّ و قياسيّ.
فالسماعيّ ما وصل إلينا نزوله بأحدهما. و القياسيّ، قال علقمة عن ابن مسعود: كلّ سورة فيها «يا أَيُّهَا النَّاسُ» فقط، أو «كلا» أو أوّلها حروف تهجّ سوى الزهراوين (البقرة و آل عمران) و الرعد- في وجه- أو فيها قصة آدم و إبليس سوى الطولى (البقرة) أو فيها قصص الأنبياء و الأمم الخالية، فهي مكيّة. و كلّ سورة فيها حدّ أو فريضة، فهي مدنيّة. و في رواية: و كلّ سورة فيها:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فهي مدنيّة.
قال الزركشي: و هذا القول- الأخير- إن أخذ على اطلاقه ففيه نظر، فإنّ سورة البقرة مدنيّة و فيها: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ»[٣]، و فيها: «يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً»[٤]. و سورة النساء مدنية و فيها:
[١] البقرة: ١٥٨.
[٢] كان المسلمون يتحرّجون السعي بين الصفا و المروة، زعما أنّها عادة جاهليّة تكريما بمقام أساف و نائلة، فنزلت الآية دفعا لهذا الوهم. راجع مجمع البيان: ج ١ ص ٢٤٠.
[٣] البقرة: ٢١.
[٤] البقرة: ١٦٨.