التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - وقفة عند مسألة الوحي
من روح و جسم، و من ثم فهو برزخ بين عالمي المادّة و ما وراء المادّة، فمن جهة هو مرتبط بالسماء و من اخرى مستوثق بالأرض. قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً» الى هنا تكتمل خلقة الإنسان الماديّة، ثم يقول: «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»[١]. و هذا الخلق الآخر هو وجود الإنسان الروحي، و هو وجوده الأصيل. الذي أشارت إليه آية اخرى: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ»[٢]. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه خلق خلقا و خلق روحا. ثم أمر ملكا فنفخ فيه ...»[٣]. فهذا هو الإنسان، مخلوق متركّب من جسم هو مادّي، و روح هو لا مادّيّ، فبوجوده المادّيّ خلق، و بوجوده اللّامادّيّ خلق آخر. و بوجوده هذا الآخر يستأهل للاتصال بالملإ الأعلى، لا بوجوده ذاك المادي الكثيف.
نعم جاءت فكرة إنكار الوحي، نتيجة للنظرة الماديّة البحتة الى هذا الإنسان، و هي نظرة قاصرة بشأن الإنسان، سادت اروبا في عصر نشوء الفكرة الماديّة عن الحياة، و التي جعلت تتقدّم و تتوسّع كلّما تقدّمت العلوم الصناعيّة في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، و أخذت المقاييس المعنويّة في الحياة تتدهور تراجعا الى الوراء. و كادت الموجة تطبق العالم أجمع، لو لا أن انتهضت الفكرة الروحية في أمريكا و منها سرت إلى اروبا كلّها فجعلت مسألة الوحي تحيى من جديد.
قال الأستاذ و جدي: كان الغربيّون الى القرن السادس عشر كجميع
[١] المؤمنون: ١٢- ١٤.
[٢] السجدة: ٧- ٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦١ ص ٣٢ ح ٥.