التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - تمحيص الرأي المعارض
و زاد بعضهم: ان في المناسبة الموجودة بين كل سورة مع سابقتها و لاحقتها لدليلا على ان نظمها و ترتيبها كان بأمر الرسول (صلى اللّه عليه و آله) اذ لا يعرف المناسبة بهذا الشكل المبدع البالغ حد الاعجاز غيره (صلى اللّه عليه و آله).
*** لكن يجب ان يعلم: ان قضية جمع القرآن حدث من احداث التاريخ، و ليست مسألة عقلانية قابلة للبحث و الجدل فيها. و عليه فيجب مراجعة النصوص التاريخية المستندة، من غير ان يكون مجال لتجوال الفكر فيها على أية حال! و قد سبق اتفاق كلمة المؤرخين و نصوص ارباب السير و اخبار الامم، و وافقهم اصحاب الحديث طرا، على ان ترتيب السور شيء حصل بعد وفاة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و لم يكن بالترتيب الذي نزلت عليه السور.
و بعد .. فلا نرى اي مناقضة بين روايات جمع القرآن، اذ لا شك ان عمر هو الذي اشار على ابي بكر بجمع القرآن، و هذا الأخير امر زيدا ان يتصدى القضية من قبله، فيصح اسناد الجمع الأوّل الى كلّ من الثلاثة بهذا الاعتبار.
نعم نسبة الجمع الى عثمان كانت باعتبار توحيده للمصاحف و نسخها في صورة موحدة. و أما نسبة توحيد المصاحف الى عمر فهو من اشتباه الراوي قطعا.
لأنّ الذي فعل ذلك هو عثمان بإجماع المؤرّخين.
و حديث ستّة أو أربعة جمعوا القرآن على عهده (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فمعناه: الحفظ عن ظهر القلب، حفظوا جميع الآيات النازلة لحدّ ذاك الوقت، أمّا الدلالة على وجود نظم كان بين سوره فلا.
و أمّا حديث التحدّي فكان بنفس الآيات و السور، و كلّ آية أو سورة قرآن، و لم يكن التحدّي يوما ما بالترتيب القائم بين السور، كي يتوجّه الاستدلال المذكور!