التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٢ - قيمة هذه المعرفة
معضلات التفسير في كلا مجالي الأصول و الفروع .. إنّها ترفع النقاب عن وجوه كثير من الآيات، نزلت لتعالج مشكلة في وقتها، لكنها في نفس الوقت ذات وجه عامّ تعالج مشاكل الامّة عبر الحياة .. و ربّما كان الوقوف على الحادثة الأولى و المناسبة الأولى التي استدعت نزولها، من خير الوسائل لكشف الإبهام عن وجه الآية، إذ فيها الإشارة لا محالة الى تلك الواقعة بالذات ...
قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها و بيان سبب نزولها ... و جعل السيوطي من فوائد معرفة أسباب النزول، الوقوف على المعنى و إزاحة الإشكال عن وجه الآية .. الأمر الذي لا محيد عنه بعد أن كانت الآية مرتبطة بالحادث المستدعي للنزول و ناظرة إليه ..
قال القشيري: بيان سبب النزول طريق قويّ في فهم معاني الكتاب العزيز ...[١]. و لذلك شواهد في التنزيل:
قال تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ..»[٢] فقد أشكل على بعض المفسّرين هذا التعبير «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ...» لأنّه لرفع الإثم و ليس للإلزام، فالآية تكون دالة على جواز السعي بين الصفا و المروة لا الوجوب، مع انّه إجماعي.
لكن اذا ما عرفنا سبب نزولها، لم يبق مجال لهذا الإشكال.
و ذلك أنّ مراسيم الحجّ و الاعتمار كانت معهودة منذ العهد الجاهلي غير أنّ العرب كانوا قد لوّثوا من هذه المشاعر ببدع أبدعوها، من ذلك أنّهم كانوا قد وضعوا على الصفا صنما على صورة رجل يقال له «أساف»، و على المروة صنما آخر على صورة امرأة يقال لها «نائلة»، زعموا أنّهما زنيا في الكعبة فمسخهما اللّه حجرين، فوضعا على الجبلين ليعتبر بهما .. فلمّا طالت المدّة عبدتهما العرب جهلا
[١] البرهان: ج ١ ص ٢٢. و الإتقان: ج ١ ص ٨٢.
[٢] البقرة: ١٥٨.