التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٤ - قيمة هذه المعرفة
و قال تعالى: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[١].
فقد خفي وجه ارتباطها مع صدر الآية «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ». كما خفي المقصود من هذا الاستنكار على صنيع يبدو غريبا! أمّا إذا راجعنا سبب النزول: «أنّ الحمس[٢] و هي القبائل الستّ العربيّة كانت إذا احرمت امتنعت من الدخول الى الخباء أو البيوت إلّا من ظهورها، فينقبون في مؤخرتها نقبا يدخلون و يخرجون منه ..» ... و بذلك يرتفع الإبهام بكلا جانبيه.
*** و قال تعالى: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ...»[٣].
كانت العرب تدين بحرمة الشهور الأربعة امتدادا لملة إبراهيم (عليه السلام). لكنّهم ربّما كان يشقّ عليهم المكث طول ثلاثة أشهر لا يغزون، أو ربّما كانت الحرب على ساق فيهل أحد الأشهر الحرم، و كان يصعب عليهم ترك القتال .. و لذلك كانوا ينسئون ذلك الشهر الى وقت آخر ليستمرّوا في النهب و الغزو و سفك الدماء ..
و هكذا كانوا ينسئون بمراسم الحج لتتوافق مع فصل الربيع كلّ عام، و كان قد وافق الحجّ قبل حجّة الوداع ذا القعدة، فلمّا حجّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في
[١] البقرة: ١٨٩.
[٢] الحمس- بالضمّ فسكون- جمع أحمس و حمساء، بمعنى المتصلّب في دينه و مذهبه، اطلق على ستّ قبائل معروفة: قريش و كنانة و خزاعة و ثقيف و جشم و بني عامر بن صعصعة. مجمع البيان: ج ٢ ص ٢٨٤.
[٣] التوبة: ٣٧.