التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٩ - آراء و تأويلات
أمّا المحقّقون من العلماء فلم يرقهم الأخذ بما لا يمكن تعقّله، و لا مقتضى للتعبّد بما لا يرجع الى اصول العباديات، و من ثم أخذوا ينقدون هذه الأحاديث نقدا علميّا. متسائلين: ما هي الفائدة الملحوظة من وراء نزول القرآن جملة واحدة في إحدى السماوات العلى، ثم ينزل تدريجيا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟!*** و إجابة على هذا السؤال، قال الفخر الرازي: و يحتمل أن يكون ذلك تسهيلا على جبرئيل أو لمصلحة النبي (صلى اللّه عليه و آله) في توقّع الوحي من أقرب الجهات[١].
و هذا الجواب غاية في الوهن و السقوط، مضافا إلى أنّه تخرّص بالغيب، و نستغرب صدور مثل هذا الكلام الفارغ من مثل هذا الرجل المضطلع بالتحقيق!! و قال المولى الفيض الكاشاني: و كأنّه اريد بذلك: نزول معناه على قلب النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، كما قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ». ثم نزل طول عشرين سنة نجوما من باطن قلبه الى ظاهر لسانه، كلّما أتاه جبرائيل (عليه السلام) بالوحي و قرأه عليه بألفاظه[٢].
فقد أوّل- رحمه اللّه- البيت المعمور الى قلب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم). و ربّما أراد الصدوق (رحمه اللّه) أيضا هذا المعنى من قوله: و أعطى نبيّه العلم. جملة واحدة.
و هكذا وقع اختيار الشيخ أبي عبد اللّه الزنجاني في تأويل هذه الرواية، قال: و يمكن أن نقول بانّ روح القرآن و هي أغراضه الكليّة التي يرمي إليها، تجلّت لقلبه الشريف في تلك الليلة «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ» ثم
[١] تفسير الرازي: ج ٥ ص ٨٥.
[٢] تفسير الصافي: ج ١ ص ٤٢.