التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - آراء و تأويلات
ظهرت بلسانه الأظهر مفرّقة في طول سنين «وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا»[١].
و قد أخذ العلّامة الطباطبائي- قدس سره- هذا التأويل و زاد عليه تحقيقا، قال: إنّ الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي، و هي حقيقة ذات وحدة متماسكة لا تقبل تفصيلا و لا تجزئة، لرجوعها الى معنى واحد لا أجزاء فيه و لا فصول. و إنّما هذا التفصيل المشاهد في الكتاب طرأ عليه بعد ذلك الاحكام، قال تعالى: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»[٢]. و قال تعالى: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»[٣] و قال: «وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ»[٤] ... إذن فالمراد بإنزال القرآن في ليلة القدر: إنزال حقيقة الكتاب المتوحّدة الى قلب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) دفعة، كما أنزل القرآن المفصّل في فواصل و ظروف، على قلبه (صلى اللّه عليه و آله) أيضا تدريجا في مدّة الدعوة النبويّة ...[٥].
أقول: هذا كلام لطيف، لكنه لا يعدو تأويلا غير مستند الى دليل، و المسألة قبل كلّ شيء نقلية و ليست بالعقلية النظريّة، و من ثم نتساءل هؤلاء الأعلام:
بم أوّلتم البيت المعمور الذي هو في السماء الرابعة- حسب روايات الخاصّة- أو بيت العزّة- حسب روايات العامة- الى قلب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟! و لم هذا التعبير جاء في هذا اللفظ؟! و سوف نناقش السيد العلّامة في اختيار وجود آخر للقرآن بسيط، وراء هذا الوجود المفصّل، سيأتي الكلام عليه في فصل المتشابهات إن شاء اللّه[٦].
[١] الاسراء: ١٠٦ تاريخ القرآن: ص ١٠.
[٢] هود: ١.
[٣] الواقعة: ٧٧- ٧٩.
[٤] الاعراف: ٥٢.
[٥] تفسير الميزان: ج ٢ ص ١٥- ١٦.
[٦] عند الكلام عن حقيقة التأويل في الجزء الثالث من الكتاب.