اعلام النساء المؤمنات - الحسّون، محمد - الصفحة ٢١٩ - آباوَكم وأبناوَكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعاً / ١١ / النساء
الحال الذي وصفتم .
فقيل لهم : هذا منكم جهل بوجوه التدبير ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى علياً عليه السلام بما احتاج إليه في وقت وفاته ، وعرّفه جميع ما يجري عليه من بعده من اُمّته واحداً بعد واحد ، فقال علي عليه السلام : « فما تأمرني أن أصنع ؟ » .
قال : « تصبر وتحتسب إلى أن ترجع الناس إليك طوعاً ، فحينئذٍ قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، ولا تنابذنّ أحداً من الثلاثة فتلقي بيدك إلى التهلكة ، ويرتد الناس من النفاق إلى الشقاق » .
فكان عليه السلام حافظاً لوصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إبقاءً في ذلك على المسلمين المستضعفين ، وحفظاً للدين لئلا ترجع الناس إلى الجاهلية الجهلاء ، وتثور القبائل تريد الفتنة في طلب ثارات الجاهلية .
فلمّا جرى من عمر في حال خطبته لاُم كلثوم ما تقدّم به الحكاية فكّر علي عليه السلام فقال : إن منعته رام قتلي ، وإن رام قتلي فمنعته عن نفسي ، خرجت بذلك عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخالفت وصيته ، ودخل في الدين ما كان حاذره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ارتداد الناس الذي لأجلِهِ أوصاني بالصبر والإحتساب .
وكان تسليم ابنته اُم كلثوم في ذلك أصلح من قتله ، أو الخروج من وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ففوّض أمرها إلى الله ، وعلم أنّ الذي كان اغتصبه الرجل من أموال المسلمين و اُمورهم وارتكبه من إنكار حقّه وقعوده في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتغيير أحكام الله وتبديل فرائض الله ، أعظم عند الله وأفظع وأشنع من اغتصابه ذلك الفرج ، فسلّم وصبر واحتسب ، كما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنزل ابنته في ذلك منزلة آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، إذ انّ الله عزّ وجلّ وصف قولها : ﴿ ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ﴾ [١] .
[١]ـ التحريم : ١١ .